26عرفنا أنَّ مثل هذا الفرد لا يكون له الخبرة الكافية التي تجعل منه فقيهاً و عارفاً بالأحكام لكي يكون قوله حجة، و جائز التقليد.
و النظر التام في مسائل الفقه هو الذي يجعل من الفرد فقيهاً عارفاً.
إذن، فالمنظر الناقص خارج عن موضوع أدلة الحجِّيَّة، أو قل: إنَّ الاجتهاد عندئذٍ غير موجود. إلاَّ أن هذا الكلام غير وارد، لأننا إذا أعرضنا عن حكاية الملكة، فلا أقل من الاعتراف بكون الإنسان خبيراً، أو فقيهاً، أو عارفاً.
و هذه الصفة لا تحصل بممارسة الاستنتاج من دون اطلاع على المقدمات، بل بالعكس فإنها تحصل بالاطِّلاع على المقدمات و لو من دون ممارسة الاستنتاج. كما هو المجرب في كثير من الأفراد، فإن كان خبيراً و فقيهاً لمجرد التدقيق في المقدمات، كان مجتهداً و قوله حجة، و إن لم ينظر في أيِّ مسألة فقهية على الإطلاق، فضلاً عمَّا إذا نظر في بعضها.
نعم، لو أراد أن يكوِّن الخبرة من ممارسة الاستنتاج، فهذه طريقة خاطئة في تكوين الخبرة، و لا يكون الفرد فقهياً بمجرد هذه الممارسة، بل قد لا يكون كذلك حتى لو مارس المرور على كلِّ المسائل الفقهية. لفرض عدم تدقيقه في المقدمات.
إذن، فتقسيم الاجتهاد إلى المتجزي و المطلق من حيث مجرد الممارسة لا معنى له فقهيّاً، و لو تنزَّلنا و قبلناه، لم نقل باستحالته.
الأعلمية في الاجتهاد:
و يراد بها أن يكون واحد ممَّن اتَّصف بالاجتهاد المطلق أو أكثر، يتَّصف بدقة في النظر، و سداد في الرأي، و سعة في الاطِّلاع أكثر من غيره. و نحن هنا لا مجال إمامنا للدخول في حكم وجوب تقليد الأعلم بنحو الفتوى أو الاحتياط أو عدم وجوبه، فإنَّ هذا و تفريعاته موكول إلى الفقه نفسه. و إنما ينبغي الحديث هنا عن أمرين:
الأول: في كيفية تحقّق الأعلم. بمعنى أنَّ الفرد بأيِّ شيء يجب أن يكون متفوقاً، ليكون هو الأعلم.
الثاني: في الحكمة المعلومة لنا من الحكم بوجوب تقليد الأعلم.