24بقي من متفرعات الاجتهاد أمران رئيسيان، هما: التجزي و الأعلمية، يحسن أن نحمل فيما يلي عن كل منهما فكرة مختصرة و واضحة.
التجزي في الاجتهاد:
و قد وقع الحديث فيه بين الفقهاء من ناحيتين:
الأولى: في إمكان التجزي، أو وجود المجتهد المتجزي. فقد لا يكون المجتهد إلاَّ مجتهداً مطلقاً و يستحيل أن يكون متجزياً.
الثانية: في جواز تقليد المتجزي، و الرجوع إليه في الأحكام، على تقدير إمكانه و وجوده. و هذه الناحية هي جانب فقهي خالص خارج عن موضوع هذا الكتاب، و إنما المهم هنا هو إعطاء معنى التجزي ثم الحديث عن الناحية الأولى.
و يعنون بالتجزي ما إذا كان الفرد المجتهد مستطيعاً لاستنتاج أو استنباط بعض الأحكام الشرعية من مداركها الأصلية، دون بعض. كما لو كان يستطيع أن يستنتج أحكام الصلاة دون أحكام الصوم مثلاً. و في مقابلة المجتهد المطلق الذي يستطيع أن ينظر و يستنتج من المدارك الأصلية كل أحكام الفقه في كل أبوابه، و بكل مستوياته.
و أمَّا الحديث عن إمكان التجزي، فهذا مربوط إلى حدٍّ ما بالتعريفين الرئيسيين الذين عرفناهما للاجتهاد. و القول بالاستحالة ينبع من التعريف الثاني، الذي يرى الاجتهاد ملكة عقلية، فقد يقال: إنَّ الملكة يستحيل أن تتجزء، بل هي إمَّا موجودة أو مفقودة. و لا معنى لأن توجد متجزئة. إلاَّ أنَّ هذا غير صحيح لعدة أمور، أهمها إشكالان:
الأول: أنَّ مسائل الفقه تختلف في سهولة الاستنتاج و صعوبته، و في المقدمات التي تحتاج إليها من حيث كمِّيتها و كيفيتها. و ليست هذه المسائل سواء أو متشابهة على الإطلاق.
و من الواضح أنه من الممكن أن توجد للفرد خبرة كافية و ملكة في الاستنتاج السهل، و لا يكون له ملكة في الاستنتاجات الصعبة. فهذا ليس أنَّ الملكة قد وجدت متجزئة، و إنما ملكة الاستنباط الفقهي، كسائر ملكات