23لم يكن الاجتهاد موجوداً في النصوص الشرعية الأصلية، و إنَّما هو مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، إذن فلا حاجة إلى الاهتمام بتعريفه و معرفته و ترتيب الأمور عليه.
نعم، هو اصطلاح فقهيٌّ جدير بالاحترام لوجوده في كلمات الفقهاء في مختلف الأجيال، بل و في مختلف المذاهب الإسلامية. الأمر الذي قد يشكل لنا إجماعاً على وجوب تقليد المجتهد و الرجوع إليه، و عدم جواز الرجوع إلى غيره. إلاَّ أنَّ القدر المتيقن من هذا الإجماع ليس أكثر من المفاهيم الواردة في النصوص التي سمعناها قبل قليل. و لا دليل على حجِّيَّته أكثر من ذلك.
و حيث أن مفهوم الملكة العقلية لم يؤخذ في هذه النصوص إذن فقد يبدو أنَّ الفرد قد يصبح قوله حجَّة شرعية بدونها. كما أنَّ بذل الوسع في الاستنباط الوارد في التعريف الأول لم يوجد في النصوص، إذن فقد يبدو أنه لا حاجة إليه. إلاَّ أنَّ الصحيح ليس هو ذلك لما عرفناه من أنَّ الفرد لا يكون عادة فقيهاً، و لا عارفاً بالأحكام بشكل متكامل إلاَّ إذا حصلت له الملكة. كما أنَّ المفهوم من قوله: نظر في أحكامنا و عرف حلالنا و حرامنا، أنه بذل وسعه في ذلك، و ليس مجرد المرور العابر.
إذن ينتج من ذلك أنَّ المهم اجتماع كلا التعريفين ليكون قول الفرد حجَّة أمام اللّٰه-عزّ و جلّ. فإنَّه بالرغم من أنَّ بين التعريفين نسبة العموم من وجه، لأنَّ الملكة قد تحصل للفرد من دون أن يكون ناظراً للأحكام. كما قد يكون ناظراً فيها من دون ملكة. كما يمكن أن يكون ذا ملكة و ناظراً في الأحكام في الوقت نفسه. و القدر المتيقن من جواز التقليد و حجَّيَّة القول هو الأخير. و أمَّا من حصلت له الملكة من دون أن يمارس النظر في الأحكام فيجوز تقليده نظريّاً، لأنه فقيه و عارف، و لكن ليس له قول معيَّن ليمكن تقليده إلاَّ بعد النظر و الاستنتاج للأحكام.
و أمَّا من نظر في الأحكام من دون ملكة، فإن كان على نطاق ضيِّق و بدون خبرة مسبقة، فقوله ليس بحجة. لأنه ليس بفقيه و لا عارف. و إن كان النظر على نطاق واسع، فهذا ملازم عادة مع صدق الفقيه و العارف فيترتب عليه الحكم بالحجِّيَّة.