178الآية الأخرى وَ لاٰ جُنُباً إِلاّٰ عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا .
و بعد التجاوز عن المسائل الفقهية نتساءل عن قوله تعالى إِلاّٰ عٰابِرِي سَبِيلٍ . ما معناه بعد التسلم على أن قوله فَاطَّهَّرُوا و قوله تَغْتَسِلُوا بمعنى واحد عمليّا. كل ما في الأمر أن الغسل هو العمل الظاهري بتفاصيله.
و الطهارة هو الأثر الناتج منه، كما قلنا في فصل الطهارة. و على كلّ تقدير قول الآية الكريمة على حرمة الدخول في الصلاة على المجنب ما لم يرفع جنابته بالغسل. و هو معنى مانعية الجنابة و شرطية الطهارة.
فلما ذا استثني عبور السبيل من وجوب غسل الجنابة، و كيف؟ عبور السبيل هو المشي فيه، على معنى أنه يعبر من محل خروجه إلى محل وصوله بواسطة الطريق الذي يقطعه أو يمشي فيه.
و عبور السبيل، يكون على نحوين، يختلفان باختلاف السبل أو الطرق التي يحتاج إليها الفرد.
النحو الأول: الطرق القصيرة، كالتي تكون داخل مدينة واحدة و المهم فيها شرعا أنها لا تنافي أوقات الصلاة. بل من الممكن أن يصل المكلف إلى هدفه و يصلي فيه و إن كان جنبا فإنه يغتسل و يصلي. فلا حاجة إلى استثنائه لأنه ليس فيه أي كلفة أو صعوبة.
و حتى لو كان مقصودا من الآية، فإنه سيعني أنه لا يجب إيجاد غسل الجنابة في الطريق بل في محل الاستقرار لا محالة. و هذا معنى عرفي مفهوم شرعا.
لا يستثني من ذلك إلاَّ حال ضيق الوقت، و هو في الطريق و تمكن من استعمال الماء فيجب عليه المباشرة بالغسل. و الاستثناء في الآية وارد مورد الغالب.
النحو الثاني: الطرق الطويلة. التي يكون قطعها سفرا. و خاصة في الأسفار القديمة التي كان التعب فيها شديدا أو الماء فيها شحيحا. و في مثل ذلك لا يجب الغسل، أعني إذا فقد الماء في السفر أو كان محل ضرورة استعماله، و يقود الوظيفة الشرعية إلى التيمم المنصوص عليه بعد سطر في نفس الآية الكريمة.