172لتضمينها معنى من. و قد يمثل لها بقولنا: أخذت بفلان أو أمسكت به. يعني ببعضه و هو يده. و قوله تعالى لاٰ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاٰ بِرَأْسِي يعني ببعضها، لا جميعها بطبيعة الحال. و قوله سبحانه بِرُؤُسِكُمْ . جار في هذا الطريق.
غير أنَّ المنحى (الرسمي) للغويين ينفي ورود الباء للتبعيض. قال ابن جني 1: أمَّا ما يحكيه أصحاب الشافعي من أنَّ الباء التبعيض فشيء لا يعرفه أصحابنا و لا ورد فيه بيت. و نقل عن سيبويه أنه أنكر مجيء الباء بمعنى التبعيض. و عليه استند 2العلامة (الحلي قده) في إنكاره ذلك، كما حكي 3.
الوجه الثاني: أن تكون الباء زائدة، و يكون التبعيض مستفادا من السياق. و ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: إنَّ المفهوم لغة و عرفا من مفهوم مسح الرأس هو مسح بعضه لا مسحه كله. إذ لو كان قد أمر بالغسل، لأمكن فيه ذلك عرفا، أعني الاستيعاب. و أمَّا المسح فيبعد عرفا و عمليّا استيعابه لكل الرأس. فتكون الآية بنفسها دالّة على مسح البعض.
التقريب الثاني: إنَّ الباء و إن كانت زائدة، إلاَّ أنَّ لإزادتها مصلحة و ليس ذلك عبثا في القرآن الكريم. و ليس ذلك إلاَّ لإفادة التبعيض. إذ لا نتصور غير ذلك إذا فهمنا أنَّ الرأس هو الممسوح-كما هو المفروض-لا أنه هو الماسح، كما سيأتي.
الوجه الثالث: أن يكون التبعيض مستفادا من تغيير السياق. مهما كان معنى الباء في ذاتها. فاستعمالها هنا و إن فرض مجازيّا، إلاَّ أنَّ الاستفادة لتبعيض واضح من أجل تغيير السياق.
و أعني بتغيير السياق، ما أشير إليه في صحيحة زرارة السابقة و مضمونه أنَّ اللّٰه سبحانه و تعالى استعمل الباء هنا و لم يستعملها في الوجه و اليدين،