171و إنما نتعرض فيما يلي إلى جهات معينة مختارة، من هاتين الآيتين الكريمتين.
الجهة الأولى: قوله تعالى وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ .
دلت هذه الآية الكريمة على مسح بعض الرأس دون جميعه. باعتبار وجود الباء الجارة فيها.
و قد ورد ذلك في السنة بشكل واضح حيث روى زرارة 1في الصحيح قال: قلت لأبي جعفر-عليه السَّلام-: ألا تخبرني من أين علمت و قلت:
إنَّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ . فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول اللّٰه-صلَّى اللّٰه عليه و آله-و نزل به الكتاب من اللّٰه-عزّ و جلّ.
لأنَّ اللّٰه-عزّ و جلّ-قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . فعرفنا أنَّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل. ثم قال: و أيديكم إلى المرافق. فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه. فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين. ثم فصل بين الكلام، فقال وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ . فعرفنا حين قال: برؤوسكم أنَّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء. ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنَّ المسح على بعضما. ثم فسّر ذلك رسول اللّٰه-صلَّى اللّٰه عليه و آله-للناس فضيّعوه. و هي واضحة في فهم الآية الكريمة، غير أنَّ السيِّد الأستاذ يشير إلى أنها خالية عن تعيين المحل الممسوح من الرأس. فلا بدّ في تعيينه من الرجوع إلى أدلة أخرى.
أقول: كما أنها لا تعيّن العضو الماسح أيضا، فلا بدّ من الرجوع فيه إلى أدلة أخرى. غير أنَّ الجهة الأدبية أو البلاغية فيها و هو فهم التبعيض لطيف جدا. و الأمور المشار إليها فقهيّة لا مجال لها هنا.
و المهم الآن أن نلتمس طريقة فهم التبعيض من الآية الكريمة. فإن فيها عدة محتملات أو وجوه:
الوجه الأول: إن الباء مستعملة في التبعيض: إمَّا لذاتها، و إمَّا