132و منها: أنهم يعتقدون بوجود الفاعلية و الوعي لدى هذه الأصنام، بحيث أنها تقرّبهم إلى اللّٰه زلفى.
و على أيِّ حال فعبادة الأصنام تعتبر من أنواع الشرك التي تكون مقترنة بالاعتقاد بوجود اللّٰه سبحانه. و إذا دخلنا في الحديث عن هذا القسم، و بد أناة بالحديث عن عبادة الأصنام، كما أشرنا قبل قليل. بقي علينا أن نعد الأقسام الأخرى. و أهم ما تصوّره الفلاسفة و المتكلمون شركا بهذا الصدد، و اعتبروه المثال الأمثل و الأفضل للشرك الصريح. هو: الإيمان بوجود إله آخر مع اللّٰه سبحانه، يتَّصف بنفس صفاته و خصائصه لو صحّ التعبير. و عقدوا في علمي الفلسفة و علم الكلام فصولا مطولة للبرهان على التوحيد. و أنَّ (شريك الباري) بهذا المعنى غير متحقّق و أنه مستحيل بالذات.
و هذا صحيح تماما و الدليل كامل الصحة، كما أنَّ الاعتقاد به هو الشرك الصريح بالمعنى الكامل. كما أن مناقشة هذا الاحتمال كمجرد احتمال نظري يعتبر خدمة للعقائد الدينية بلا إشكال. إلاَّ أن الذي يهون الخطب، أنه لا يوجد بين البشر معتقد بهذا الاعتقاد على الإطلاق. بل هي مشكلة غير معروضة اجتماعيّا و عقائديا على الإطلاق. و سنذكر فيما يلي ما وصلنا من معتقدات التنويه و غيرها، و ليس فيها الاعتقاد بمثل هذا المعتقد. و لعل هذا هو المراد من قوله تعالى أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اَللّٰهِ آلِهَةً أُخْرىٰ 1. أو قوله تعالى وَ قٰالَ اَللّٰهُ لاٰ تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّمٰا هُوَ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ 2. أو أنَّ المراد بها مطلق التثنية و التثليث. يعني بشكل يندرج فيه هذا المسلك و غيره.
بل لعلها أقرب إلى غيره من العقائد. أما الآية الأولى فبقرينة الجمع في قوله:
آلِهَةً أُخْرىٰ . و المفروض في هذا المسلك وجود اثنين فقط. و أمَّا الآية الثانية فباعتبار قوله تعالى أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ 3. حيث يكون المراد نفي التثنية بهذا المعنى. أو نفيها بأيِّ معنى آت ممّا هو موجود و معروض في المجتمع، لا ما هو غير موجود على الإطلاق، و إن كان مندرجا فيه نظريّا بطبيعة الحال.