133و يأتي بعد ذلك: دور الثنوية الذين يقولون بوجود إلهين حاكمين للعالم. أحدهما إله الخير، و الآخر إله الشر. و هذا هو معتقد المجوس. و هو ليس من جنس الشرك المشار إليه فيما سبق. لأنهم يعتقدون أنَّ إله الخير هو الأكبر و الأهم في الكون. و لكنه يقدسون إله الشر بالرغم من هوانه لأجل أن يكفوا شره. فهم يجاملونه لدفع كيده و يتحببون إليه. و من هنا كان من الطريف اختيارهم للإله الأهون و الأسوء ممَّا يعتقدون له الربوبية. و ليس من الواضح أن إله الشر هذا هو الشيطان أو غيره، إلاَّ أنَّ المظنون هو ذلك، إذ لا يوجد من الأطروحات المتصورة للآلهة اجتماعيّا غيره ليكون صالحا لتمثيل دور إله الشر.
و إذا تمّ لدينا الاطلاع على ما عرفناه. أمكننا أن نؤكد أنَّ مصطلح الشرك الصريح عند المتشرعة شامل لعباد الأصنام. و هؤلاء الثنوية، و لمن يؤمن بإلهين متكاملين، إن كان له وجود على وجه الأرض.
و لا يبقى بعد ذلك من يقول بالتعدّد إلاَّ الثالوث المسيحي. و هو خارج عن اصطلاح الشرك الصريح، بالرغم من أنه يحمل فكرته تماما. لأنهم من ناحية: كعبّاد الأصنام يعتبرون المسيح تجسيدا للذات الإلهية، و يعتبرونه ممّن يقرّبهم إلى اللّٰه زلفى. و كذلك هم كالثنوية من حيث يعتبرون المسيح و أمه إلهين أنزل درجة من اللّٰه سبحانه الذي هو المسيطر الحقيقي على الكون كله.
فالأب عندهم هو الإله الحقيقي. و أمَّا الابن و هو عيسى، و روح القدس و هو مريم العذراء أمه، فهم من أتباعه و ظلاله. إلاَّ أنهما مع ذلك يحملون جانب من الذات الإلهية باعتقادهم. و هذا هو المشار إليه بقوله تعالى:
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ . و قوله مِنْ دُونِ اَللّٰهِ . أي أنزل و أهون من المرتبة الإلهية الحقيقية. و ليس لنا أن نفسرها بمعنى أنهما إلهين مع إنكار اللّٰه-عزّ و جلّ. فإن هذا ما لا يعتقده المسيحيون بحال.
و المهم في سياق كلامنا هذا أنهم يحملون في معتقدهم هذا فكرة الشرك الصريح نفسه. إلاَّ أنَّ كونهم من أتباع النبي عيسى ابن مريم-عليهما السَّلام-جعل لهم تشريفا رفعهم عن هذا المستوي