60بمذهب مالك، وترك ما عداه، فرجع أهل افريقيا وأهل الأندلس كلّهم إلى مذهبه، رغبة فيما عند السلطان، وحرصاً على طلب الدنيا، إذ كان القضاء والافتاء في جميع تلك المدن لا يكون إلاّ لمن تسمّى بمذهب مالك، فاضطرّت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشى هذا المذهب هناك، وحظي بالقبول لا بحسب مؤهلاته ومقوماته الروحية، وإنّما سار على حسب نظام القوة التي خضع الناس لها بدون تبصّر، كما أنّ انتشاره بالمغرب الأقصى هو كذلك رغبة لما عند السلطان، وخضوعاً لما افترضوه على الناس) 1.
وقال ابن خلكان : ( قال ابن حزم الاندلسي: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان : مذهب أبي حنيفة، فإنّه لمّا ولي أبو يوسف القضاء كان لا يولّي قاضياً إلاّ من أصحابه والمنتسبين إليه وإلى مذهبه.
والثاني: مذهب مالك عندنا في الأندلس، فإنّ يحيى بن يحيى، كان مكيناً عند السلطان مقبولاً في القضاء، فكان لا يولي قاضياً في أقطار الأندلس إلاّ بمشورته واختياره ولا يسير إلاّ بأصحابه، والناس سراع إلى الدنيا فاقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم به) 2.
ونقل لنا الشيخ محمد أبو زهرة قول القاضي عياض في بيان البلاد التي انتشر بها مذهب مالك فيقول : ( غلب مذهب مالك على الحجاز، والبصرة، ومصر وما والاها من بلاد افريقية، والاندلس، وصقلية، والمغرب الاقصى إلى بلاد من أسلم من السودان، إلى وقتنا هذا بداية القرن السادس وظهر ببغداد ظهوراً كثيراً، وضعف بها بعد أربعمائة سنة، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة، وغلب من بلد خراسان على قزوين، وأبهر، وظهر بنيسابور، وكان بها وبغيرها أئمة مدرّسون...) 3.