59وكان الامام مالك ممّن انضمّ لجانب العلويين، وأخذ العلم عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، وأظهر القول بجواز الخروج مع محمد ذي النفس الزكية، فأُهين لذلك، وناله الأذى، وتعصّب له قوم وناصروه، وأصبحت له مكانة في المجتمع، ولحظت السلطة أهمية مكانته، فرأت من اللازم أن تجعله تحت عنايتها لتوجد منه شخصية علمية توجه إليه المجتمع طوعاً أو كرهاً، فأصبح محترماً إلى أبعد حدود الاحترام 1.
والغرض، أنّ نجم الإمام مالك بزغ بذلك الاُفق، فأصبحت له شخصية مرموقة دون غيره من شيوخه الذين هم أعلم وأفقه منه، كربيعة الرأي وغيره، فامتاز بتلك المنزلة، واكتست شخصيته بأبراد العظمة، وحاول العباسيون أن يجعلوا منه مرجعاً عامّاً للاُمة في الفتوى، ولكنّها محاولة لم تنجح 2.
عوامل انتشار المذهب المالكي
وكان من أهم عوامل انتشار المذهب ودواعي الظهور والسمعة، وإقبال الناس عليه، اتباعاً للسلطان، وخضوعاً للسلطة بدون تمييز لما هو الأرجح والأولى، وذلك على أيدي القضاة والملوك أنفسهم.
فقد انتشر بالأندلس بسبب حَمل مَلِك الأندلس الناس عليه بالقهر، لمّا بلغه كلام من مالك في مدحه عندما سئل عن سيرة الملك في الاندلس، فذكر له عنها ما أعجبه، فقال: نسأل الله تعالى أن يزيّن حرمنا بملككم. فلمّا بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي 3.
وكان للقاضي سحنون الفضل الكبير في نَشرِ مذهب مالك في أفريقيا.
يقول المقريزي : ( ولمّا ولي المعزّ باديس، حمل جميع أهل أفريقية على التمسك