58أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه ، حافظاً لما روى ، واعياً لما سمع.
ثمّ قال لي : يا أبا عبد الله ، ضع هذا العلم ودوّنه ، ودوّن منه كتباً ، وتجنّب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس ، وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور ، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم ، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ، ونبثّها في الأمصار ، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها. فقلت له : أصلح الله الأمير، إنّ أهل العراق لا يرضون عِلمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يُحملون عليه ، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ، ونقطع طي ظهورهم بالسياط ، فتعجّل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك ، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله.
ثم قال مالك : ثم أمر لي بألف دينار عيناً ذهباً وكسوة عظيمة، وأمر لابني بألف دينار) 1.
ثم قال - يعني ابن قتيبة -: ( وذكروا أنّ مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه، ووضع علمه، قَدِمَ عليه المهدي بن أبي جعفر، فسأله عمّا صنع فيما أمره به أبو جعفر، فأتاه بالكتب وهي كتب الموطأ، فأمر المهدي بانتساخها، وقُرأت على مالك. فلمّا أتمّ قراءتها، أمر له بأربعة آلاف دينار، ولابنه بألف دينار) 2.
وكان من نتائج النزاع الذي حدث بين أهل العراق وأهل المدينة، أو أهل الحديث وأهل الرأي ظهور شخصية أبي حنيفة في العراق، ومالك في الحجاز، وكانت السلطة في بغداد قد أخذت جانب أصحاب أبي حنيفة وتشدّ أزرهم، وتقدّم الموالي لتحطّ من قيمة العرب، لأنّهم في نظر السلطة أعداء يتكتّمون فلا يأمنون جانبهم من وثبة يوماً ما لميلهم للعلويين، وأنّهم ليترقبونها في غالب الأحيان فهم دائماً في حذر.