49وأبين أن يحملنها، وأنّه من بين سائر هذه الموجودات له حقوق وعليه واجبات كفرد وكأمّة، ولا ينبغي له أن يتجاوز حدود القانون الإلهي في جميع تحركاته سواء أكانت إزاء ربّه أم نفسه أم غيره من المخلوقات الإمكانية الأخرى التي ملئت عالم الوجود، وإلا شمله قوله تعالى:
(وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ ) . 1
والجدير بالملاحظة هو أنّ الإنسان باستطاعته أن يحدد مساره التكاملي عن طريق تعيين الحركة التكاملية، وهي حركة لا تعرف الكلل والملل والوقوف لأنّها حركة نحو تحقق الكمال المطلق اللامحدود، فكلما بلغت درجة من درجاته زادتها قوةً ومنحتها شوقاً لبلوغ سائر الدرجات اللامحدودة لأنّ الكمال المطلوب لا نهاية ولا حد له، وأنّ الحركة التكاملية لا تتوقف، وهكذا يسعى الإنسان دائباً بحركته في طلب هذا الكمال الإلهي، قال تعالى:
(ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى* فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ ) . 2
وعليه تُعد التربية التي يتلقاها الإنسان من ذويه إحدى أهمّ العوامل الفاعلة في استقامته أوانحرافه، فالذي يتربى في وسط اجتماعي موحد غير الذي يتربى في أحضان مَن ضلّ السبيل.
الإنسان في بداية خلقته وأول خروجه إلى هذا العالم يكون مادة صالحة لأن يصنع منها كلّ شكل من الأشكال، فإن كان لأبوين موحدين نال أول مراتب التوحيد وأوصد باباً من أبواب الشرك، فإذا عاش في مجتمع توحيدي أصاب مرتبة أخرى من مراتب التوحيد وبدأت تتوهج في أعماق نفسه فكرة التوحيد شيئاً فشيئاً، فثمة اختلاف بين الإنسان المسلم وغير المسلم في هذا الجانب، إذ إنّ القيم والأخلاق السامية والأفكار السليمة تغرس في نفس الطفل المسلم منذ اللحظات الأولى لخروجه إلى هذا العالم، فلم تتلوث تلك الفطرة الذي ولد عليها، بخلاف من يتربى في أحضان ذوى الأخلاق والعادات اللا إنسانية، فإنّه ومنذ اللحظة الأولى يصاب بداء الشرك والابتعاد عن الاستقامة، ويسلك طريقَ الضلال والانحراف.