119فتخضع لدول الطوائف، وطوراً تعمر متقدّمةً بعض التقدّم، إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانيّة سنة 914 ه، وأخذت تتنفّس الصعداء ممّا أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها، وبقيت وهي مطمئنّة البال مدّةً طويلةً تزيد على ثلاثة قرون، ولم ترَ في خلالها ما يكدر صفو سكّانها حتّى إذا جاءت سنة 1216 هجرية جهّز الأمير سعود الوهّابيّ جيشاً عرمرماً مؤلّفاً من عشرين ألف مقاتل وهجم بهم على مدينة كربلاء، وكانت على غايةٍ من الشهرة والفخامة ينتابها زوّار الفرس والترك والعرب؛ فدخل سعود المدينة بعد أن ضيّق عليها وقاتل حاميتها وسكّانها قتالاً شديداً، وكان سور المدينة مركّباً من أفلاك نخيلٍ مرصوصةٍ خلف حائطٍ من طين، وقد ارتكبت الجيوش فيها من الفضائع ما لا يوصف، حتّى قيل: إنّه قتل في ليلةٍ واحدةٍ 20 ألف نسمة.
وبعد أن أتمّ الأمير سعود مهمّته الحربيّة التفت نحو خزائن القبر وكانت مشحونةً بالأموال الوفيرة وكلّ شيءٍ نفيس، فأخذ كلّ ما وجد فيها، وقيل: إنّه فتح كنزاً كان فيه جمّة جُمعت من الزوّار، وكان من جملة ما أخذه لؤلؤة كبيرةٌ وعشرون سيفاً محلاّةٌ جميعها بالذهب، مرصّعةٌ بالأحجار الكريمة، وأوانٍ ذهبيّةٌ وفضّيّةٌ وفيروزٌ وألماسٌ وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر.
وقيل: من جملة ما نهبه سعود أثاثات الروضة وفرشها منها 4000 شال كشميريّ، و 2000 سيف من الفضّة وكثيرٍ من البنادق.
وقد صارت كربلاء بعد هذه الوقعة في حال يُرثى لها، وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة مَنْ نجا بنفسه؛ فأصلح بعض خرابها، وأعاد إليها العمران رويداً رويداً.
وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فأشفق على حالتها، وبنى فيها أسواقاً حسنة وبيوتاً قوراء أسكنها بعض مَنْ نُكبوا، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصدّ هجمات الأعداء، وأقام حوله الأبراج والمعاقل، ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم، وصارت على مَنْ يهاجمها أمنع من عقاب الجوّ، فأمنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقيّ والتقدّم. 1