57 الإتيان بمن أتى به إلا للانحصار، وهو المصحّح لصدق الامتثال، بمعنى أنّه لم يجد من يمتثل في الإتيان به أمره تعالى إلا من أتى به، وهو رجل وامرأة وابنان.
والمتأمل في القصة يجد أنّ وفد نجران من النصارى إنّما وفدوا على المدينة ليعارضوا رسول الله صلى الله عليه و آله ويحاجّوه في أمر عيسى بن مريم، فإنّ دعوى أنّه عبد الله ورسوله إنّما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي الذي كان يدّعيه لنفسه، وأمّا الذين اتبّعوه من المؤمنين فما كان للنصارى بهم شغل ولا لهم في لقائهم هوى كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في صدر الآية: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ) [آلعمران61/]، وكذا قوله تعالى قبل عدة آيات: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّٰهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمران/ 20].
ومن هنا يظهر أنّ إتيان رسول الله صلى الله عليه و آله بمن أتى به للمباهلة لم يكن إتياناً بنحو الأنموذج، إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرد إيمانهم في هذه المحاجة والمباهلة حتّى يعرضوا للعن والعذاب المتردد بينهم وبين خصمهم، وإنّما أتى صلى الله عليه و آله بمن أتى به من جهة أنّه صلى الله عليه و آله كان طرف المحاجة والمداعاة فكان من حقّه أن يعرض نفسه للبلاء المترقب على تقدير الكذب، فلولا أنّ الدعوى كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشريفة لم يكن لاتيانه بهم وجه، فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم