244المجسّد لهذا المفهوم لا يعرفه إلاّ الله تعالى. أو (يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ ) . (المائدة:64) أو (اسْتَوىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) . (الأعراف: 54) لأنّ هذا من حيث المفهوم واضح ولكن من حيث المصداق غير واضح، باعتباره مرتبط بعالم الغيب. مضافاً إلى تأرجح الذهن البشري وتلوّثه بالمفاهيم المادية حيث لايمكن أن يتصوّر إلاّ المعاني الحسّية، إذن فهذه الآيات غامضة من حيث المصداق، وقد كان شأن أهل البدع والضلالة الأخذ بآيات هي من حيث المفهوم واضحة ولكن من حيث المصداق غامضة، وكانوا يركّزون عليها ابتغاء الفتنة والتأويل. وكلمة التأويل لو حملنا المتشابه على المعنى المجمل، أي: المتشابه بحسب عالم المعنى، حينئذ التأويل يكون بالمعنى المصطلح وهو: حمل اللفظ على خلاف المتفاهم العرفي. أمّا إذا حملناه على المعنى الثاني للمتشابه وهو، أي: متشابه بحسب المدلول المصداقي، حينئذ فالتأويل هنا بمعنى (الأَول والرجوع) أي: ما يؤول اليه المفهوم؛ لأنّ كلّ مفهوم يؤول إلى حقيقته ويرجع إليها، فيُحمل ال-تأويل على معنى يناسب (الأَول والرجوع) أي: رجوع المفهوم إلى مصداقه 1.
فالمتشابه المقصود به نوع خاص، لابدّ فيه أن يكون قابلاً للاتّباع، وهذه القابلية تنشأ من عامل وجود مفهوم لغوي معيّن للفظ يكون العمل به اتّباعاً له. فالتشابه لم ينشأ من ناحية الاختلاط والتردد في معاني اللفظ ومفهومه اللغوي؛ لأنّنا فرضنا أن يكون للفظ مفهوم لغوي معيّن، وإنّما ينشأ من ناحية أخرى وهي الاختلاط والتردد في تجسيد الصورة الواقعية لهذا المفهوم اللغوي المعيّن، وتحديد مصداقه في الذهن من ناحية خارجية.