129ذلك أنّ هذه القضية وهي قولنا: الباري خارج عن الموجودات كلّها على هذا التفسير ليست مناقضة للقضية الأولى، وهي قولنا: الباري داخل العالم، ليكون القول بخلّوه عنهما قولاً بخلّوه عن النقيضين، ألا ترى أنّه يجوز أن تكون القضيتان كاذبتين معاً؟ بألاّ يكون الفلك المحيط محتوياً عليه، ولايكون حاصلاً في جهة خارج الفلك، ولو كانت القضيتان متناقضتين لما استقام ذلك، وهذا كما تقول: زيد في الدار، زيد في المسجد، فإنّ هاتين القضيتين ليستا متناقضتين، لجواز إلاّ يكون زيد في الدار، ولا في المسجد، فإنّ هاتين لو تناقضتا لاستحال الخروج عن النقيضين، لكن المتناقض (زيد في الدار، زيد ليس في الدار)، والذي يستشنعه العوام من قولنا: (الباري لاداخل العالم ولا خارج العالم) غلط مبني على اعتقادهم وتصوّرهم أنّ القضيتين تتناقضان 1.
وقال الفخر الرازي:
فأيّ استبعاد في وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين بالجهة للعالم؟! وإن كان الوهم والخيال لا يمكنهما إدراك هذا الموجود، وأيضاً فعمدة مذهب الحنابلة أنّهم متى تمسّكوا بآية أو بخبر يوهم ظاهره شيئاً من الأعضاء والجوارح، صرّحوا بأنّا نثبت هذا المعنى لله تعالى، على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا لله تعالى وجهاً بخلاف وجوه الخلق، ويداً بخلاف أيدي الخلق، ومعلوم أنّ اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الخيال والوهم.
فإذا عقل إثبات ذلك على خلاف الوهم والخيال فأيّ استبعاد في القول