26
طبقات ابن سعد: باب ذكر علامات النبوّة في رسول الله(ص) قبل أن يوحى إليه.
روى بسنده عن داود بن الحصين قال: لمّا خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسولالله(ص) في المرة الأُولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلمّا نزل الركب بُصرى من الشام، وبها راهب يُقال له بحيرا، في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة، يتوارثونها عن كتابٍ يدرسونه، فلمّا نزلوا بحيرا، وكانوا كثيراً ما يمرّون به لا يكلّمهم، حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلاً قريباً من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مرّوا، فصنع لهم طعاماً ثُمَّ دعاهم، وإنّما حمله على دعائهم أنَّه رآهم حين طلعوا وغمامة تظلّ رسولالله(ص) من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثُمَّ نظر إلى الغمامة أظلَّت تلك الشجرة، وأخضلت أغصان الشجرة على النبي(ص) حين استظل تحتها، فلمّا رأى بحيرا ذلك؛ نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأُتي به وأُرسل إليهم، فقال: إنّي قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، وأنا أحبّ أن تحضروه كلّكم، ولا تخلفوا منكم صغيراً ولا كبيراً، حراً ولا عبداً، فإنَّ هذا شيء تكرموني به. قال رجل: إنَّ لك لشأناً يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟! قال: فإنّني أحببت أن أكرمُكم ولكم حق. فاجتمعوا إليه وتخلّف رسولالله(ص) من بين القوم لحداثة سنّه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلمّا نظر بحيرا إلى القوم فلم يرَ الصفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل ينظر ولا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلّفة على رأس رسول الله(ص)، قال بحيرا: يا معشر قريش، لا يتخلفنّ منكم أحد من طعامي، قالوا: ما تخلَّف أحد إلّا غلام هو أحدث القوم سناً في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلّف رجل واحد، مع أنّي أراه من أنفسكم، فقال القوم: هو والله أوسطنا نسباً، وهو ابن أخ هذا الرجل - يعنون أباطالب - وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف: والله إنْ كان بنا للُؤم أن يتخلّف ابن عبد المطلب من بيننا، ثُمَّ قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلمّا تفرَّقوا عن طعامهم، قام إليه الراهب فقال: يا غلام، أسألك بحقِّ اللات والعزى إلّا أخبرتني عمّا أسألك، فقال رسول الله(ص): لا