78
دعوى ابن حجر أنّ أبا بكر كان يقضي بالكمال الأسنى
قال ابن حجر: «فثبت بجميع ما قررناه أنّه من أكابر المجتهدين، بل أكبرهم على الإطلاق وإذا ثبت أنّه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق لأنّ ذلك الرجل كان زنديقاً وفي قبول توبته خلاف، وأمّا النهى عن التحريق فيحتمل أنّه لم يبلغه، ويحتمل أنّه بلغه وتأوله على غير نحو الزنديق، وكم من أدلّة تبلغ المجتهدين ويؤّولونها لما قام عندهم، لا ينكره ذلك إلّا جاهل بالشريعة وحامليها. وأمّا قطعه يسار السارق فيحتمل أنّه خطأٌ من الجلّاد، ويحتمل أنّه لسرقة ثانية ومن أين علم أنّها للسرقة الأولى، وأنّه قال للجلّاد اقطع يساره؟! وعلى التنزّل فالآية شاملة لما فعله، فيحتمل أنّه كان يرى بقاءها على إطلاقها وأنّ قطعه(ص) اليمنى في الأولى ليس على التحتّم، بل الإمام مخيّر في ذلك وعلى فرض إجماع في المسألة فيحتمل أنّهم أجمعوا على ذلك بعده. وأمّا توقفه في مسألة الجدّة إلى أن بلغه الخبر فينبغي سياق حديثه فإن فيه أبلغ الردّ على المعترضين. أخرج أصحاب السنن الأربعة ومالك عن قبيصة قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال مالك في كتاب الله وما علمت لك في سنة نبي الله(ص) شيئاً فارجعي حتّى أسال الناس؛ فسال الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله(ص) أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلم فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. فتأمّل هذا السياق تجده قاضياً بالكمال الأسمى لأبي بكر فإنّه نظر أوّلاً في القرآن وفي محفوظاته من السنّة فلم يجد لها شيئاً ثمّ استشار المسلمين ليستخرج ما عندهم من شيء حفظوه فأخرج له المغيرة وابن مسلم ما حفظاه فقضى به وطلبه انضمام آخر إلى المغيرة احتياط فقط، إذ الرواية لا يشترط فيها تعدد على أنّه غير بدع من
المجتهد أن يبحث عن مدارك الأحكام». 1
أقول : قد عرفت بما قررناه من بطلان جميع ما قرره نفي ذلك الثبوت، وأمّا ما ذكره من أنّ «النهى عن التحريق فيحتمل أنّه لم يبلغه» فهو مخالف لما ادّعاه سابقاً من كمال علم أبي بكر.