77
رابعاً: يتوجه عليه معارضة بالمثل من أنّه لا يثبت اجتهاد أبي بكر إلّا إذا ثبت أنّ ما صدر عنه من أمثال الأحكام المذكورة القادحة ضرورة في كلّ إنسان عاقل له نصيب من معرفة الأحكام الشرعيّة يمكن أن يصدر ممّن له أهليّة الاجتهاد، وإذا كان إثبات ذلك محالاً أو ملحقاً بالتشكيك في الضروريات كان ذلك قادحاً في خلافته.
وأمّا أوّل ما ذكره من الأدلّة الّتي زعم وضوح دلالتها على أهليّة أبي بكر للاجتهاد فمدخول بأنّ جواب أبي بكر عن ذلك من غير أن يعلم جواب النبيّ (ص) قبله غير مسلّم، وإنْ كان ذلك الجواب ممّا يظهر للعاقل المشاهد بخصوصيّات تلك الواقعة بأدنى تأمّل، فغاية ما يلزم من ذلك قصور فهم عمر لا كمال عقل أبي بكر.
وأمّا الثاني منها فمردود بأنّ الاختلاف في موضع الدفن غير واقع، كيف وقد صحّ اتفاقاً أنّه مع أصحابه قد اشتغلوا بالخلافة عن دفن النبيّ (ص) ، بل النبيّ (ص) أوصى بذلك إلى أهل بيته في أيّام حياته كما نقله غير هذا الراوي؟! ولو سلّم فلا اجتهاد في نقل خبر وصيّة النبيّ (ص) بشيء كدفنه مثلاً، وكما لا يخفى مع أنّ قول أبي بكر «سمعت النبيّ (ص) يقول: ما من نبىّ...» دعوى لا برهان له بها سوى دعوى سماعه لذلك.
وأمّا ما ذكره من وقوع الاختلاف في ميراثه فغير واقع أيضاً، غاية الأمر أنّه لما أخذ فدك من فاطمة عليها السلام وادّعت النحلة فيها ثمّ الميراث تنزّلاً افترى أبوبكر لدفع دعواها عليها السلام فقالت له: «أترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً».
ثمّ لا يخفى ما في عبارته من البعد عن كلام المحصلّين فإنّه ذكر أوّلاً الخلاف في موضع دفن النبيّ (ص) ثمّ الخلاف في ميراثه (ص) ثمّ قال متّصلاً بهذا: قال بعضهم وهذا أوّل اختلاف وقع بين الصحابة، فقال بعضهم ندفنه بمكّة إلى آخره وأمّا ما ذكره من خبر نزول جبرئيل (ع)
على النبيّ (ص) بأمر الله تعالى له أن يستشير أبا بكر ففيه أنّه على فرض صحّته فإنّما كان لتأليف قلبه، وإلّا فالنبي (ص) إنّما كان يعمل بالوحي الإلهي كما نطق به القرآن الكريم وكان غنيّاً عن مشاورتهم وتعليمهم كما لا يخفى.