67
أقول : قد بيّنا سابقاً نقلاً عن ابن حزم أنّ من منع أبا بكر عن أداء الزكاة إليه لم يكونوا مرتدين حقيقة باتّفاق العلماء، وأنّهم لم يمنعوا الزكاة مستحلين في الدين، بل منعوها عن أبيبكر؛ لاعتقادهم عدم استحقاقه للخلافة، فحكمه بقتالهم يكون جهلاً لا علماً، وبشكلٍ عامٍّ: إنْ أراد بذلك العلم الذي كان يستدعيه انتظام خلافته وحصول مصلحته بالانتقام منهم، فهو مسلّم ولكنّه لا يجدي نفعاً، وإنْ أراد العلم المطابق لحكم الله تعالى ورسوله فهو
ممنوع، كيف وقد روى صاحب الفتوح ما سيعترف به ابن حجر عند تقرير شبهة من أنّ عمر أنكر على ذلك وخاطب خالد بن الوليد الذي ارتكب ذلك بقوله: «يا عدو الله» وأراد أن يقتصّ منه بقتله لمالك بن نويرة سيّد بني حنيف، فنصحه أبو بكر وقال له لا تلم خالداً فإنّه سيف الله، وإنّما فعل ما فعل بأمري وكانت المصلحة فيه، فلم يتكلّم عمر في ذلك مدّة خلافة أبي بكر حتّى وصلت الخلافة إليه، فهرب عنه خالد إلى الشام، وجمع عمر من بقى من قوم مالك وأخذ ما كان من نسائهم وذراريهم عند المسلمين وسلّمهم إليهم. فإن كان حكم أبيبكر علماً فقد كان منع عمر جهلاً، وإن كان بالعكس فالعكس، فليختر أولياؤهما من هاذين الأمرين الذين لا ثالث لهما ما شاؤوا.
ويدلّ على ما ذكرناه من أنّهم لم يجحدوا أصل الزكاة؛ بأنّه لا يعقل من مالك وأصحابه ذلك مع القيام على الصلاة فأنّهما جميعاً في قرن واحد؛ لأنّ العلم الضروري حاصل للكلّ بأنّهما على دينه (ص) وشريعته على حدّ واحد، وهل نسبة مالك إلى الردّة إلّا قدح في الأصول، ونقض في الدين، من أنّ الزكاة معلومة ضرورة من دينه (ص) ، وقد روى جميع أهل النقل أنّ أبا بكر وصّى الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذنوا ويقيموا، فإن أذّن القوم بأذانهم وأقاموا، كفّوا عنهم فإن لم يفعلوا أعادوا عليهم، فجعل إمارة الإسلام والبراءة من الردّة الأذان والإقامة. وقصّة مالك معروفة عند من تأمّلها من النقل؛ لأنّه كان على صدقات قومه والياً من قبل رسول الله (ص) فلمّا بلغته وفاة النبيّ (ص) أمسك عن أخذ الصدقات من قومه، وقال لهم: تربّصوا بها حتّى يقوم قائم بعد النبيّ (ص) وننظر ما يكون من أمره. وقد صرّح بذلك في بعض أشعاره المشهورة المذكورة في كتاب الكافي وغيره، وروى بعضهم أنّه أخذ الصدقات وفرّقها