79فقوله:
«لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورَّثوا العلم» ، هو جملة خبريَّة تحكي عن أمر تكويني، مفاده انتقال علوم الأنبياء عليهم السلام إلى العلماء، ولا يمكن أن يكون جملة إنشائية، بصدد إنشاء حكم شرعيّ؛ لأنَّ الجعل والتشريع بالجملة الإنشائية، إنَّما يكون في الأمور الّتي يمكن جعلها بالإنشاء اللفظي، كالولاية والقضاء و... . وأمّا العلم والحديث والتّحلّي بالفضائل، - والّتي هي من أوضح ما أورثوه عليهم السلام - فلا يحصل إلاّ ببذل الجهد والاكتساب، كما هو واضح.
وحصر ما أورثوه بالعلم والحديث، هو في الواقع حصر إضافي في مقابل الدرهم والدينار، وليس هو حصراً حقيقياً؛ إذ إنَّهم عليهم السلام لم يورِّثوا العلم والحديث فقط، بل أورثوا أموراً غيرهما، من الزّهد والتّقوى و... .
ومن هنا، فالظنّ بأنَّ معنى رواية الشّيخ الكليني هو نفس مفاد حديث «لانورِّث»، هو ظنٌّ باطل، نابع من قلّة التدبّر والإمعان في معنى الروايتين.
هذا مع اختلاف لفظيهما؛ فإنَّ رواية الكليني تقول:
«لم يورّثوا» ، أي: أنَّهم لميكونوا يملكون شيئاً ليورِّثوه، بينما رواية البخاري تقول:
«لا نورِّث» ، أي: أنَّهم ليس من حقِّهم التّوريث. والفرق بين المعنيين ظاهر.
مع أنَّه قد يُقال: إنَّ رواية البخاري ناظرة للحكم، فهي تريد أن تُبيِّن حكم الإرث بالنسبة للنبي (ص) ، بينما رواية الكليني ناظرة للموضوع، فهي تريد بيان ورثة الأنبياء عليهم السلام ، حيث وسَّعت هذا الموضوع، فأضافت العلماء إلى الورثة، مع فقدان الصلة النَّسبية بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام ، ولم تحصر توريث الأنبياء عليهم السلام بهذا المصداق، وإنَّما أضافته إلى بقيّة الورثة، مع أنَّهم يرثون من الأنبياء عليهم السلام العلم والحديث فقط.
فلِسانُ هاتين الروايتين، وأمثالهما، هو الإشارة إلى فضيلة العلم ومنزلة العالم، وأنَّ أصحاب الأنبياء عليهم السلام يجب أن يجدُّوا في طلب العلم، والأخلاق والفضيلة والسيرة الحسنة، حتّى يكونوا كالأنبياء عليهم السلام علماً وأخلاقاً وسيرةً، ليقوموا بدورهم من بعدهم في تزكية الأُمّة وتعليمها الكتاب والسنّة، لا أن ينتهزوا فرصة صحبتهم ويستغلّوها للأغراض الدنيوية، من جمع المال، والحرص على تحصيل المقام والجاه.