179
فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوّة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبيّنا(ص) أنَّه قال: "نحن معاشر الأنبياء لانورِّث، ما تركناه صدقة" 1 .
وقال الآلوسي، بعد أن ذكر الأقوال في المسألة:
«ومذهب السنّة أنَّ الأنبياء عليهم السلام لايرثون مالاً ولا يورِّثون؛ لِما صحَّ عندهم من الأخبار» 2.
إذن، فالداعي الّذي جعل علماء السنَّة يميلون إلى تأويل الآية الكريمة، وحمل لفظة الميراث على المعنى المجازي لها، هو حديث أبي بكر لا غير، ولكنَّ هذا الحديث هو أصل كلامنا، مضافاً إلى أنَّه لو كانت هذه القرينة «حديث أبيبكر» ناظرة لتلك الآيات الخاصّة، لكان الأنسب أن تأتي في ذيل تلك الآيات، أو أثناء حياة النبيّ (ص) على أقلّ تقدير، ولم يذكر أحد من علماء التفسير والتاريخ والحديث أنَّ الرسول (ص) قال ذلك الحديث بعد نزول آية من آيات الإرث، الخاصّة أو العامّة، وقد كان المقام يُناسب ذلك. بمعنى أنَّه كان ينبغي للرسول (ص) عند نزول أحد تلك الآيات الكريمة، المتعلّقة بالإرث، أن يبيّنها (ص) بكلّ تفاصيلها -لاسيّما لأهل بيته عليهم السلام وأصحابه - ويشرح لهم المقصود منها، ويوضّح لهم أحكام الإرث بكلِّ فروعه، عملاً بمقتضى قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44).
لكن بدل ذلك، نجد أبا بكر يفاجئ أهل بيت النبيّ (ص) بذلك الحديث، بعد
رحيل الرسول (ص) ، ويرفض الاستماع إلى أهل البيت عليهم السلام ، عدل القرآن الكريم، بالرغم من محاولاتهم الحثيثة لثنيه عن رأيه، وكأنَّ الرسول (ص) قد أوصى به في حديث الثقلين لتجنّب الضلال! وهذا من الأمور الغريبة الّتي تشككّ في أصل صدوره!
أضف إلى ذلك - أيضاً - أنَّ الحديث لم يَروِه زمان أبي بكر أحد غيره، وإنَّما رواه البعض في زمان عمر، وهذا يقوِّي في النفس أنَّ رواية هؤلاء كانت وفق