170
والحاصل: إنَّ زكريّا (ع) كان له مصدران أساسيان للمال والثروة والملك، وهما: الحبورة، باعتباره رئيس الأحبار، وزوجته، باعتبارها من أُسرة سليمان بن داود، كما لايبعد أن يقال: إنَّ قوله تعالى : (وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ مِنْ وَرٰائِي وَ كٰانَتِ امْرَأَتِي عٰاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) ، بحدِّ ذاته قرينة على وجود أموال تحت يد زكريّا (ع) ، بل يمكن القول إنَّها أموال طائلة، كانت ستغيّر كثيراً من الأمور فيما لو وقعت بأيدٍ غير مناسبة.
قرائن آية: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ
ذكر علماء السنّة عدّة قرائن لإرادة غير المال من الإرث في قوله تعالى:
(وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ عِلْماً وَ قٰالاَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي فَضَّلَنٰا عَلىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبٰادِهِ الْمُؤْمِنِينَ* وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ وَ قٰالَ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل:15و16)
القرينة الأولى: سياق الآية الكريمة
فالآية مسبوقة وملحوقة بقرائن متّصلة، تدلّ على أنَّ المراد بالإرث غير الإرث المالي، وخصوصاً مع ملاحظة تقدُّم قوله تعالى: عِلْماً على قوله تعالى: (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ) ، وتأخّر قوله: (عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) عنه، فإنّه يتناسب مع النبوّة والعلم؛ إذ الآية الكريمة تنصّ على أنَّه تعالى قد آتى داود علماً خاصّاً، ثُمَّ أخبر أنَّ سليمان قد ورث داود، ثُمَّ قال عزّ وجلّ، على لسان سليمان: إنَّهم علِّموا منطق الطير. وبضمِّ هذه القرائن المتّصلة بعضها إلى البعض، يُصبح المعنى واضحاً، وهو: أنَّ الله تعالى قد آتى داود علماً خاصّاً، وأنّ سليمان قد ورثه منه. قال الرازي في تفسيره:
إنَّه تعالى لو فصل، فقال: (وورث سليمان داود ماله)، لم يكن لقوله:
(قٰالَ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)
معنى، وإذا قلنا: (وورث مقامه من النبوّة والملك)، حسن ذلك؛ لأنَّ تعليم منطق الطير يكون داخلاً في جملة
ما ورثه... 1.