79
بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ) 1.
إنَّ هذه الآية وما شابهها من الآيات، تدعم بشكلٍ واضح وصريح علاقة الدين بالسياسة، ولا تختصّ برسولٍ دون الآخر؛ ممَّا يفنِّد المزاعم الموجودة حول انحصار دور الرُسل في التمهيد للحياة الأُخروية.
إذن، لا فصل بين الدين والسياسة:
أوّلاً: لصراحة النصوص الدينية في هذا المجال. ونقلنا جانباً منها آنفاً.
ثانياً: لِما بين أيدينا من حياة الأنبياء والأئمَّة - الذين ورد ذكرهم في القرآن أوصفحات التأريخ - والذين سعوا إلى تكوين مجتمع يسود فيه العدل والقسط، وإن اختلفت أدوارهم حسب الظروف، ولكن الغاية منها كانت واحدة.
ثالثاً: لأنَّ القرآن ليس رواية لكافّة أحداث حياة الرُسل، وإنَّما كتاب هداية يروي تأريخ حياة الرسل من منظار الهداية فحسب.
ورابعاً وأخيراً: لتعرّض الرُسل إلى شتّى أنواع المعاناة، وأقصى أشكال العقوبات والتعذيب وماشابه ذلك. فإذا كان جهد زكريا(ع) منصباً على الشؤون العبادية والروحية، فلماذا قُدَّ إلى نصفين من قِبل الحكّام، ولماذا استشهد ولده يحيى(ع) ذبحاً على أيدي هؤلاء، ولماذا تعرَّض المسيح(ع) إلى الملاحقة وهدر الدم إذا كان يسعى إلى السلام فقط كما يزعم النصارى؟! فلواختار هؤلاء حياة الاستعفاء والتفرّغ إلى العبادة والرهبانية، كما يفعل الرهبان والزهّاد اليوم، لما تعرَّضوا إلى الإيذاء والإقصاء والتشريد والقتل أصلاً، وعاشوا وماتوا كما يعيش ويموت الناس.
إنَّ الدين اعتبر الدنيا كجسرٍ يؤدِّي إلى الآخرة، فكيف لا يعتني الدين