60البراءة وإبلاغها إلى المشركين، بدليل قوله في ذيل الآية: (إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، بخلاف الآية الثانية، فإنَّ وجه الخطاب فيها إلى الناس، ليعلموا براءة الله ورسوله من المشركين، ويستعدُّوا ويتهيَّأوا لإنفاذ أمر الله فيهم بعد انسلاخ الأشهر الحُرم؛ بدليل قوله: (إِلَى النّٰاسِ ) وقوله تفريعاً: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) إلى آخر الآية» 1.
وهكذا يطرح الفخر الرازي وجوهاً مثيرة عن جدوى تكرار البراءة في الآيتين، فيجيب قائلاً:
«الجواب عنه من وجوه: الوجه الأوَّل: إنَّ المقصود من الكلام الأوَّل الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت. والوجه الثاني: إنَّه سبحانه وتعالى في الكلام الأوَّل أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد، وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن يصفهم بوصفٍ مُعيَّن؛ تنبيهاً إلى أنَّ الموجِب لهذه البراءة كفرهم وشركهم» . 2 والاحتمال الأوّل عند الرازي هونفس المعنى الذي يرمي إليه الطباطبائي، كما يقترب الاحتمال الثاني ممَّا قصده الطبرسي.
النتيجة إذن، هي أنَّ الاحتمال الأوَّل يهدف إلى بيان نقض العهد من جانب المشركين، في حين يأتي التكرار الثاني لإعلام الناس والمش-ركين على حدٍّ سواء بحقيقة ماجرى. والاحتمال الثاني مبني على محورين، هما: نقض العهد أوّلاً، ثُمَّ الكفر والشرك ثانياً، وهذا المعنى من الآية يبِّين أنَّ البراءة من