61المشركين لا تختص بطائفة منهم خرجت من عهدها، بل تعمّ الكفر والش-رك كافّة، حيث مُنع المشركون من الطواف والحج بعد إبلاغ هذه السورة، ما يدلّ على صحة ما قلناه، فيقول الباري في كتابه الكريم: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شٰاءَ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) 1.
ومن هنا أتى استحباب الدخول إلى بيت الله الحرام من باب بني شيبة، الذي دُفن تحته هُبَل 2؛ لتدوسه أقدام الموحّدين؛ تحقيراً لرموز الش-رك، وليدخل الموحِّد قاعدة التوحيد برفض كافّة رموز الشرك، فضلاً عن تحريم ومنع نحت التماثيل لفترة طويلة؛ لإزالة ما بقى عالقاً من رسوبات عهد الجاهلية في أذهان الناس.
كما أنَّ للبراءة من المشركين حضورها القوي في مناسك الحجّ؛ حيث نقرأ في دعاء عرفة: «برئت من الجبت والطاغوت واللات والعزّى». 3 واليوم لا يوجد لات ولا عزّى حتّى تُعلَن البراءة منهما كرمزان للشرك والإلحاد، لكن ما يُفهم من الدعاء أنَّ هذه الرموز تتجدَّد من عصر إلى عصر، ومن طور إلى طور، كما هوالحال بالنسبة للطاغوت، والذي ظهرت له مصاديق عدّة على مرّ التأريخ البشري. وهذه التعابير العامّة تُفيد أنَّ البراءة من المش-ركين أبدية وأزلية، مادامت هناك مظاهر تدعوالبشرية إلى شكل من أشكال الشرك والإلحاد.