321والجواب يحتاج إلى مقدّمة، حاصلها:
في علم الرياضيّات إذا سألنا العقل عن حاصل ضرب (2 (ع) 2) فسيقول (4)، فلو قيل لنا مثلاً (5)، فهنا نرفع اليد قطعاً عن هذه النتيجة، لأنّ إيماننا بأنّ النتيجة هي أربعة من الأمور القطعيّة التي حكمَ بها العقل.
والحال نفسه في الروايات، فلو جاءتنا رواية وكانت صحيحة السند ولكنّها خالفت أمراً قطعيّاً، فإنّنا نرفع اليد عن الرواية لأنّها أمر ظنيّ خالفت أمراً قطعيّاً، وهذا من قبيل إدراك العقل لعدم اجتماع الوجود والعدم، لأنّه اجتماعٌ للنقيضين، فمن المحال أن يكون الشيء في آنٍ واحد موجوداً وغير موجود، فلو جاءنا من يقول: جاءنا حديث باجتماع النقيضين، فلا يمكن القبول به.
ولذا نحن أيضاً في ما تقدّم ذكرنا في قوله تعالى: وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ (البقرة: 186) بأنّه إذا كان الله جسماً، فمع كونه قريباً من (أ) لا يستطيع أن يكون قريباً من (ب)، فإذن هو موجودٌ غير جسماني، وإلاّ فلو دعاه شخصٌ في شمال الأرض، وآخر في جنوبها، لا يمكن له حينئذٍ أن يكون قريباً من هذا وهذا، في آنٍ واحد، وهذا يكشف عن أنّ وجود الله سبحانه وتعالى ليس وجوداً جسمانيّاً.
وكلّ مسألة عقليّة حكمَ فيها العقل بحكم، لا يمكن للنقل أن يعارضه فيها، وكذلك إذا نفى العقل القطعي - لا الظنّي - مسألة لا يمكن للنقل أن يحكم بخلافها، وهذا هو رأي المحقّقين، حتّى أولئك الذين عارضوا الفلاسفة وأشكلوا عليهم، وأبطلوا نظريّاتهم.
ومن هؤلاء ابن تيميّة نفسه الذي يصرّح في بعض المواضع بأنّه عند تصادم النقل مع العقل يسقط النقل، ويعتبر بأنّ الديانة المسيحيّة أو النصارى