160
. . . . . . . . . .
القبيح بإرادته المؤثرة و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب.
و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج عليهم السلام اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى لأنه مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته فإنه من أطاعه و برأ من المرض يقال: عالجه الطبيب، و من خالف و هلك يقال: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب.
فمعنى
قوله: أمر الله و لم يشأ،
أنه أعلم العباد و أخبرهم بالأعمال النافعة لهم كالإيمان و الطاعة، و لم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف و لو شاء و لم يصدر عن بعضهم لزم عجزه و مغلوبيته تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم و اختيارهم أي فعل أرادوه، فما شاء الله كان.
و معنى قوله: شاء و لم يأمر، أنه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أي فعل أرادوه، و لم يأمر بكل ما أرادوا بل نهاهم عن بعضه و أعلمهم بمضرته كالكفر و العصيان.
فقوله: أمر إبليس أن يسجد لآدم،
أي أعلمه بأن سجدته لآدم نافع له، و كفه عنه ضار له، و شاء أن لا يسجد يعني لم يشأ خصوص السجود عنه، و لو شاء خصوص السجود عنه لسجد، لاستحالة عجزه و غلبة إبليس عليه، بل إنما شاء صدور أيهما كان من السجود و تركه، أي كفه بإرادته و اختياره، و لما لم يسجد إبليس، أي كف عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفه، و لما كان الكف إنما يتحقق بمشية إبليس و إرادته المؤثرة و هي جزء أخير للعلة التامة فلذا يستحق إبليس الذم و العقاب، و القبيح صادر عنه لا عن الله تعالى، و كذا الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة.