159
. . . . . . . . . .
قادرا على طاعة العاصي جبرا لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة و هذا أيضا نحو من التفويض و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر، أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية، و هم جهم بن صفوان و من تبعه.
فهذا معنى الأمر بين الأمرين، و لما كان مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله جزءا أخيرا للعلة التامة، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عنه تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله سبحانه و إرادته و قدره إذ لم يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من أقداره العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع و نهيه عن أكل الغذاء الضار، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشية الله تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل