180وكان من أمر نبيّ الله يونس(ع) مع قومه وفراره عنهم عند تطاول المدّة في خلافهم عليه واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم عن كلّ أحد من الناس حتّى لم يعلم بشر من الخلق مستقرّه ومكانه إلاّ الله تعالى؛ إذ كان المتولّي لحبسه في جوف حوت في قرار بحر، وقد أمسك عليه رمقه حتّى بقي حيّاً، ثمّ أخرجه من ذلك إلى تحت شجرة من يقطين، بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان من الأرض، ولم يخطر له ببال سكناه. وهذا أيضاً خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا، وقد نطق به القرآن 1، وأجمع عليه أهل الإسلام وغيرهم من أهل الملل والأديان 2.
غيبة أصحاب الكهف
وكذلك غيبة أصحاب الكهف فقد نزل القرآن الكريم بخبرهم وشرح أمرهم، وفرارهم بدينهم من قومهم وحصولهم في كهف ناء عن بلدهم، فأماتهم الله فيه وبقي كلبهم باسطاً ذراعيه بالوصيد، ودبّر أمرهم في بقاء أجسامهم على حال أجساد الحيوان لا يلحقها بالموت تغيّر، فكان يقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال كالحي الذي يتقلّب في منامه بالطبع والاختيار، ويقيهم حرّ الشمس التي تغيّر الألوان، والرياح التي تمزّق الأجساد، فبقوا على ذلك ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما جاء به الذكر الحكيم، ثمّ أحياهم، فعادوا إلى معاملة قومهم ومبايعتهم، وأنفذوا إليهم بورقهم ليبتاعوا منهم أحلّ الطعام وأطيبه وأزكاه بحسب ما تضمّن القرآن من شرح قصّتهم، مع استتار أمرهم عن قومهم وطول غيبتهم عنهم وخفاء أمرهم عليهم.
وليس في عادتنا مثل ذلك ولا عرفناه، ولولا أنّ القرآن جاء بذكر هؤلاء القوم وخبرهم وما ذكرناه من حالهم لتسرّعت الناصبة لإنكار ذلك كما يتسرّع