229لقد جرت سنّة الجاهلية علي أنه بعد الفراغ من الحج يجتمع الناس في مني، ويتفاخرون بقوّتهم وأعرافهم وأنسابهم، فيذكرون أصولهم النسبية التييُعرفون بها وآباءهم بالشعر والنثر، معتمدين في ذلك علي القيم الجاهلية، ككثره عدة أفراد القبيلة وعدتها، وقدرتها علي الحرب والغارة.
أما نظام الحج في الإسلام، فقد قضي عليهذا النظام الجاهلي المهترئ واستبدله ببيان نظام إلهي قيمي هدي الناس إليه، وأمر بعد إتمام المناسك في مني بذكر الله كثيراً، وطلب المغفرة منه، وإرادة الحسنات.
وقد جاء في إحدي الروايات:
قال رجل لعلي بن الحسين(ع): يا ابن رسول الله! إنّا إذا وقفنا بعرفات و مني وذكرنا الله ومجّدناه وصلّينا علي محمد وآله الطيبين الطاهرين ذكرنا آباءنا أيضاً بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم نريد بذلك قضاء حقوقهم.
فقال علي بن الحسين(ع): «أولا أنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟» فقالوا: بلي يا ابن رسول الله. قال(ع): «أفضل من ذلك وأولي أن تجدوا علي أنفسكم ذكر توحيد الله والشهادة، وذكر محمد رسول الله والشهادة له بأنه سيد النبيين، وذكر عليّ وليّ الله والشهادة بأنه سيد الوصيين، وذكر الأئمة الطاهرين من آل محمد الطيبين بأنهم عباد الله المخلصين، وبأنّ الله عزّوجلّ إذا كان عشية عرفة وضحوة يوم مني باهي كرام ملائكته بالواقفين بعرفات ومني، وقال لهم: هؤلاء عبادي وإمائي حضروني ههنا من البلاد السحيقة البعيدة شعثاً غبراً، قد فارقوا شهواتهم وبلادهم وأوطانهم وأخدانهم ابتغاء مرضاتي، ألا فانظروا إلي قلوبهم وما فيها، فقد قويت أبصاركم يا ملائكتي علي الاطلاع عليها». قال: «فتطلع الملائكة علي قلوبهم، فيقولون: يا ربنا اطلعنا عليها، وبعضهم سود مدلهمة يرتفع عنها كدخان جهنم؛ فيقول