192وأعلي من هؤلاء، اولئك الذين يسمعون دعوة الله: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً 1، ويستجيبون لهذه الدعوة.
نعم، إنّ جواب خليل الله هو جوابٌ لله سبحانه، ولا جواب لله من دون جواب دعوة الخليل، إلاّ أنّ التفاوت يقع في شهود الزائر العارف لبيت الله، فكلّ إنسان يقع في درجة هويّته ومرتبة إيمانه، ويعرف الله طبقاً لها، ويمضي معه الميثاق كذلك، كما يمتثل أوامره بالطريقة عينها.
بعضهم يعرفون الله بالواسطة، وبعضهم مثل الأنبياء: يعرفونه بلا واسطة، ويعقدون معه العهد، ويعملون بأحكامه.
إنّ الذي يظهر في نشأة الشهادة هو حصيلة عهد مرتبة الغيب، وبناءاً عليه، رغم أنّ الجميع عقدوا العهد مع نداء الله الجليل سبحانه، إلاّ أنّ بعضهم كان بواسطة الخليل وبعضهم بلا واسطة، ولهذا لم تكن التلبية واحدة عند الجميع، بل يمكن أن يقول شخص: «لبّيك ذا المعارج لبّيك»، إلاّ أنّه في واقع الأمر يلبّي وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ ، ويُجيب دعوة الخليل، لا دعوة الجليل، فالتلبية في مقام الظاهر تابعة لاستجابة الدعوة الإلهيّة في عالم الميثاق الإلهي.
وتجليةً لهذه النقطة، نلاحظ أنّ الناس جميعاً يلبّون مرّتين، وهاتان المرّتان تقعان في طول بعضهما، إنّ هذه الإجابة والاستجابة ليست أمراً تاريخيّاً حتّي يكون قد مضي وانتهي، وإنّما هي امتداد واستمرار.
لقد تحدّث الله سبحانه عن الاُولي منهما بقوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ 2
أمّا الثانية؛ فكانت أمر الله لإبراهيم الخليل بإعلان الدعوة العامّة للحجّ: وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ