191الإحرام والتلبية استجابة لنداء الوحي والدعوة الإلهيّة، من هنا يقع الحجّاج الحقيقيّون عند التلبية في خوف عقلي مهول، يغيّر لونهم فيصير مصفرّاً، ويأخذ بأصواتهم، ويدهشون ويقولون: نحن نخشي أن يُقال لنا بأنّكم لم تلبّوا نداء الحجّ علي نحو الحقيقية، «لا لبّيك ولا سعديك». 1
إنّ الحاج يعقد في الحقيقة عهداً مع الله عندما يلبّي، مضمونه أنّني لن أنطق بعد الآن إلاّ بطاعتك، وسوف أقفل فمي عن النطق بالمعاصي كلّها. 2
إنّ حجم اللِّسان قليل، لكنّ جرمه كبير وكثير، والتلبية تطهير للِّسان عن كلّ معصية ترتبط به، من هنا كان اللِّسان الزائر لبيت الله هو اللسان الطاهر.
من هذا كلّه يظهر أنّ سرّ التلبية هو إطلاق اللِّسان بالحقّ والطاعة، ومنعه وتطهيره من مقولات الباطل والمعصية، وهذا ليس في زمان الحجّ والعمرة فحسب، بل و إلي الأبد.
مراتب التلبية والملبّين ودرجاتهما
تتفاوت مراتب الملبّين طبقاً لتفاوت مراتب التلبية، فبعضهم يلبّون إعلان الأنبياء، وبعضهم يلبّون دعوة الله سبحانه، بعضهم يقول: إنّنا نستجيب لمن دعانا إلي الله، وقد جئنا نقول: «لبّيك داعي الله، لبّيك داعي الله» 3، وهؤلاء هم المتوسّطون من زوّار بيت الله حيث أجابوا دعوة إبراهيم الخليل، الذي دعا إلي الحجّ بأمر من الله سبحانه: وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالاً وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 4