127وعلي أيّ حال، لم تجعل الكعبة أوّل قبلة للمسلمين حتّي زال التعصّب الجاهلي وعلم المتّبع من المنقلب، قال سبحانه: لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ 1، ذلك أنه لو جعلت الكعبة قبلةً منذ انطلاقة البعثة فسوف تحيا ترسّبات الجاهلية العربية والتعصّبات القوميّة، وبعد أن تأمّن الهدف المذكور ولمواجهة تعصّب يهود المدينة وأطرافها وطعنهم حيث قالوا: لم يكن المسلمون مستقلّين في القبلة بل تابعين لقبلتنا، من هنا حوّل الله القبلة مرّةً اخري إلي الكعبة.
لقد أدّي توهّم التبعيّة لليهود في أمر القبلة إلي ظهور إحساس الحقارة والذلّة في نفوس المسلمين، حتّي أنّ الرسول كان ينتظر الوحي لحلّ هذا المعضل، قال تعالي: قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ 2 رغم أنّ الله تعالي عدّ رسوله الأكرم(ص) أكمل مصداق للهداية حيث قال: إِنَّكَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ 3، مصرّحاً في أمر القبلة بقوله: وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّٰ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ 4، لكن مع ذلك كان انتظار النبيّ(ص) من ناحية الطعن والتحقير الذي مارسه معوجّو الفكر وسيّئو اللِّسان ضدّ الإسلام والمسلمين، لا أنّه انطلق من أساس شخصي أو عرقي أو قبلي، لذا قال تعالي: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا 5، علي أساس أنّ الإنسان الكامل الذي وصل إلي مقام الرضا ورضي الله عنه كما رضي هو عنه رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ 6، ليس عنده رضا نفسي أو قومي بل «رضي الله رضانا أهل البيت» 7، فمثل هذا الإنسان