112ملكيّتها، وقد كانت محميّةً علي امتداد التاريخ من تطاول الطواغيت وتناول الملاّك، وتداول رجال الدولة والسلطة، كما كانت متحرّرةً - وما تزال - من أي سلطة بشريّة أو ملكيّة إنسانية، فلا تختصّ بشخص أو فريق أو قوم أو قوميّة أو عرق أو دولة أو حكومة، تماماً كما يقول الإمام الباقر(ع) حول سرّ وصف الكعبة بالبيت العتيق:
«هو بيت حرّ عتيق من الناس لميملكه أحد» 1، فالله سبحانه لمينسب هذا البيت من الأوّل لأحد غيره، فقال: طَهِّرٰا بَيْتِيَ 2، كما أنّ باني الكعبة لميملكها من حيث إنّه هو المأمور ببنائها، لذا لمينسبها لغير الله تعالي، حيث قال: رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ 3
وعليه، فالكعبة عتيقة من حيث قدمها التاريخي ونفاستها، فذات قيمة وسبق، كما أنّها عتيقة من حيث تحرّرها وانعتاقها من كلّ سلطة مالكة وقهر سلطاني، والطواف حول مثل هذا البناء يعطي درساً في الحرّية، ويحرّر الإنسان من كلّ أنواع العبودية عدا لله تعالي، وهذه العبودية هي الفضيلة الوحيدة للإنسان، كما أنّ إرسال الأضحية إلي البيت العتيق وذبحها في داخل الحرم هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ 4 و ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ 5 يعطي درساً آخر في التحرّر من التعلّقات.
إنّ الذين يرزقون زيارة هذا البناء ليسوا عبيداً لأنفسهم وحرصهم، ولا مماليك للمستعمرين والمستثمرين الخارجيّين، تماماً كما كان بنّاء الكعبة سيّدنا إبراهيم(ع) مبرّءاً من الميول والتعلّقات ومحميّاً من الحرص والخوف و... إنّ العبودية لاتنسجم مع مدار الحريّة والتحرّر.