53 الأيدي و الأرجل،و سمل العيون،و صلبهم على جذوع النخل،و طردهم و شردهم عن العراق،فلم يبق بها معروف منهم .
و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق:ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي و أهل بيته شهادة .و كتب إليهم:أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و أهل ولايته،و الذين يروون فضائله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم،و اكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم،و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.
ففعلوا ذلك،حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه،لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلاة و الكساء و الحباء و القطائع،و يفيضه في العرب منهم و الموالي،فكثر ذلك في كل مصر،و تنافسوا في المنازل و الدنيا،فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية،فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه و قربه و شفعه.فلبثوا بذلك حينا.
ثم كتب إلى عماله:أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر و في كل وجه و ناحية،فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأولين،و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا و تأتوني بمناقض له في الصحابة،فإن هذا أحب إلي و أقرلعيني،و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته،و أشد إليهم من مناقب عثمان و فضله.
فقرأت كتبه على الناس،فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها،و جد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر،و ألقي إلى معلمي الكتاتيب،فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن،و حتى علموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم،فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته،فامحوه من الديوان،و أسقطوا عطاءه و رزقه.و شفع ذلك بنسخة اخرى:من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم،فنكلوا به،واهدموا داره.
فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق،و لا سيما بالكوفة،حتى ان الرجل من شيعة عليعليه السلامليأتيه من يثق به،فيدخل بيته فيلقي إليه سره،و يخاف من خادمه و مملوكه،و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه.فظهر حديث كثير موضوع،و بهتان منتشر،و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة،و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء و المراؤون و المستضعفون،الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند و لاتهم،و يقربوا مجالسهم،و يصيبوا الأموال و الضياع و المنازل،حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان،فقبلوها و رووها،و هم يظنون أنها حق،و لو علموا أنهاباطلة لما رووها،و لا تدينوا بها.
و ذكر ابن أبي الحديد:فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن عليعليه السلامفازداد البلاء و الفتنة،فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا و هو خائف على دمه،أو طريد في الأرض.