44نعم إن هذه الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة و مبدأ تكونهم،كلها كانت امورا افتراضية بنوها على أساس خاطىء و هو أن الشيعة ظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي بعد عهد النبي،سامح الله الذين لم يتعمدوا التزييف و غفر الله لنا و لهم.
زلة لا تستقال:
إن الدكتور عبد الله فياض زعم أن التشيع بمعنى الموالاة لعليعليه السلامنضج في مراحل ثلاث:
1-التشيع الروحي،يقول:إن التشيع لعلي بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبي و تمت قبل توليه الخلافة.ثم ساق الأدلة على ذلك و جاء بأحاديث يوم الدار أو بدء الدعوة و أحاديث الغدير و ما قال النبي في حق علي من التسليم على علي بإمرة المؤمنين.
2-التشيع السياسي،و يريد من التشيع السياسي:كون علي أحق بالإمامة لا لأجل النص بل لأجل مناقبه و فضائله،و يقول:إن التشيع السياسي ظهرت بوادرهدون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية(يريد النص)-في سقيفة بني ساعدة،حين أسند حق علي بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير و العباس و غيرهما،و بلغ التشيع السياسي أقصى مداه حين بويع علي بالخلافة بعد مقتل عثمان.
3-ظهوره بصورة فرقة،فإنما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة(61ه)و لم يظهر التشيع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة.ثم استشهد بكلام المقدسي حيث قال:إن أصل مذاهب المسلمين كلها منشعبة من أربع:الشيعة،و الخوارج،و المرجئة،و المعتزلة.و أصل افتراقهم قتل عثمان،ثم تشعبوا 64 .
و أيد نظريته بما ذكره المستشرق«فلهوزن»من قوله:تمكن الشيعة أولا في العراق و لم يكونوا في الأصل فرقة دينية،بل تعبيرا عن الرأي السياسي في هذا الاقليم كله،فكان جميع سكان العراق خصوصا أهل الكوفة شيعة علي على تفاوت بينهم 65 .
و هذا التصور المذكور يمكن تثبيت جملة من الملاحظات عليه:
أولا:ان التفكيك بين المرحلتين الأوليتين و ان الاولى منهما كانت في عصر النبي و ظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبي،قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال:كان رواد التشيع الروحي يلتزمون بآراء علي الفقهية إلى جانب الالتزام باسناده سياسيا 66 .
و ثانيا:إن ما ذكره من النصوص في مجال التشيع الروحي كما يدل على أن عليا هو القائد الروحي،فإنه يدل بوضوح على أنه القائد السياسي،و قد نقل الكاتب جل النصوص الواردة في هذا المبنى،فمعنى التفكيك بينهما هو أن الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها و تركوا بعضها،و لو صح اسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصح إسناده إلى سلمان،و أبي ذر،و عمار،الذين لا يتركون الحق و إن بلغ الأمر ما بلغ.
و بما أن النبي كان هوالقائد المحنك للمسلمين،فإنه لم تكن هناك حاجة لظهور التشيع السياسي في حياته،بل كان المجال واسعا لظهور التشيع الروحي و رجوع الناس إلى علي في القضايا و الأحكام الفقهية،و هذا لا يعني عدم كونه قائدا سياسيا و ان وصايا النبي لم تكن هادفة إلى ذلك الجانب.