33 ضبط للنفس و ضبط للرعية،و الشباب الناشئون في قريش و غير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأمور الجديدة بنفوس جديدة،فيها الطمع،و فيها الطموح،و فيها الاثرة،و فيها الأمل البعيد،و فيها الهم الذي لا يعرف حدا يقف عنده،و فيها من أجل هذا كله التنافس و التزاحم لا على المناصب و حدها بل عليها و على كل شيء من حولها،و هذه الامور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ و الشباب إلى ما دفعوا إليه،فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم،و هذه الأموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار،فأي غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة،و الانتفاعبهذه الأموال المجموعة؟و هذه بلاد أخرى لم تفتح،و كل شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها،فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟و ما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد و الغنيمة إن كانوا من طلاب الدنيا،و من الأجر و المثوبة إن كانوا من طلاب الآخرة.ثم ما لهم جميعا لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم و هذا الثراء العريض؟و أي غرابة في أن يندفع الطامحون الطامعون من شباب قريش من خلال هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد و السلطان و الثراء؟و أي غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار و شباب الأحياء الأخرى من العرب؟و في أن تمتلىء قلوبهم موجدة و حفيظة و غيظا إذا رأوا الخليفة يحول بينهم و بين هذه المنافسة،و يؤثر قريشا بعظائم الامور،و يؤثر بني أمية بأعظم هذه العظائم من الامور خطرا و أجلها شأنا.
و الشيء الذي ليس فيه شك هو أن عثمان قد ولى الوليد و سعيدا على الكوفة بعد أن عزل سعدا،و ولى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى،و جمع الشام كلها لمعاوية،و بسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في ادارتها قريش و غيرها من أحياء العرب،و ولى عبد الله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص،و كل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان،منهم أخوة لأمه،و منهم أخوة في الرضاعة،و منهم خاله،و منهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أمية بن عبد شمس.
كل هذه حقائق لا سبيل إلى انكارها،و ما نعلم أن ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولى و عزل من عزل،و قد أنكر الناس في جميع العصور علىالملوك و القياصرة و الولاة و الأمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم،و ليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعا من الناس،فهم قد أنكروا و عرفوا ما ينكر الناس و يعرفون في جميع العصور 26 .
و هكذا نرى إن الموارد التي يستنتج منها كون ابن سبأ شخصية و همية خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الامور التالية:
1-إن المؤرخين الثقات لم يشيروا في مؤلفاتهم إلى قصة عبد الله بن سبأ،كابن سعد في طبقاته،و البلاذري في فتوحاته.
2-إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر و هو رجل معلوم الكذب،و مقطوع بأنه وضاع.