46أطهاراً من كلّ رجس . إنّ الإنسان ليأخذه الخشوع ، بل يأخذه الفزع ، حين يتذكّر أنّ أمثال هؤلاء الناس قد حجّوا إلى بنارس مدى ألفي عام ، وغمسوا أنفسهم في مياهها ، وهم يرتعشون من لذعة البرد في فجر الشتاء ، وشمّوا بنفس متقززة لحم الموتىٰ وهو يحترق ، فعلوا كلّ ذلك وهم يفوهون بنفس الدعوات التي كان يقينهم أن تجاب ، فعلوا ذلك قرناً بعد قرن ، وتوجّهوا بالدعاء إلى نفس الآلهة التي لبثت على صمتها ، لكن عدم استجابة إلٰه من الآلهة لا يحول دون تعلّق القلوب به ، فلا تزال الهند تعتقد اليوم بنفس القوّة ، التي كانت تعتقد بها في أي عصر مضىٰ في الآلهة ، الذين لبثوا كلّ هذا الزمن ينظرون إلىٰ فقرها وبؤسها ، فلا تأخذهم من أجلها رحمة 1 . وما زال السيخ يحجّون إلى هذا المعبد 2 .
هذا نموذج لحج الهند القديمة ، وإذا تقدّمنا في الزمن بعيداً من ذلك التاريخ . .
تقدّمنا إلى الهند في القرن الثامن الهجري ، فسنجد نوعاً آخر من الحج المنحرف ينسبه أصحابه هذه المرّة إلى الإسلام ، ذلك هو الحج على المذهب الذِكْري ، وقد أسّس هذا المذهب : محمد المهدي الأتكي وضمّن آراءه في كتابه البرهان . وتبدأ قصّة هذا الحج كما كتبها (أحمد مولانا عبدالخالق رحمه الله ) قال :
«كان الضال ملّا محمّد المهدي الأتكي يسكن في البنجاب ، وانتقل منه من موضع إلى موضع حتى وصل إلى موضع مشهور في بلوشستان المسمّى ب (كيج) وبدأ يستفيد من جهّال هذه المدينة استفادة باطلة ، ويدّعي بأنّه «المهدي الموعود» فصار مقبولاً عند الخاص والعام ، ولم يمر وقت طويل حتّى كتب كتاباً ينبئ فيه امّته المضلة بأنّه قد نُسخت الشريعة المحمّدية بمجيئه في الدنيا ، واعتقادها كفر ولا يحاسب أحد يوم القيامة عن أركانها الأربعة من الصوم والصلاة والحج