308الحكمة حضّهم عليه و إرشادهم إلى القيام به فلذلك كرّر الأمر بالذكر في هذه الآيات خمس مرّات و جعل محلّ الذكر الأزمنة الشريفة و الأمكنة المنيفة ضمن العبادات العظيمة ليكثر لهم الجزاء كلّ ذلك إعلاما بشدّة العناية بعبيده و إلاّ فالجناب القدسيّ أعظم من أن يعود إليه من ذلك نفع أو ينتفي عنه ضرر.
2-الذكر يراد به اللّساني تارة و القلبيّ أخرى لكنّ المقصود بالذات هو الثاني و أمّا الأوّل فترجمان للثاني و منبّه للقلب عليه لكونه في الأغلب مأسورا في يد الشواغل البدنيّة و الموانع الطبيعيّة و هذا هو السرّ في تكرار الأذكار و التسبيحات و التحميدات و غيرها.
3-لا يتوهّم أنّ ذكره تعالى ينقطع بانقطاع المناسك لتعليق الأمر بقضائها بل هو دائم مستمرّ لا ينبغي للمكلّف أن يغفل عنه و دلالة مفهوم المخالفة باطلة كما تقرّر في الأصول و إنّما سبب التعليق ما كانت العرب تعتاده بعد قضاء مناسكها من الوقوف بمنى و ذكر محامد الآباء و مفاخرهم فأمرهم بالعدول عن ذلك الّذي لا يفيد إلى ما هو المفيد.
4-إنّما جعل ذكر الآباء مشبّها به و الغالب في التشبيه أنّ المشبّه به أقوى في الوجه مع أنّ ذكره تعالى ينبغي أن يكون أقوى، جريا على الواقع فإنّ أكثر الناس لا يذكر اللّه إلاّ أحيانا يسيرة و لا يغفل عن ذكر آبائه فكان ذكر الآباء أكثر وجودا فحسن جعله مشبّها به و إنّما ردّد بقوله «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» لتفاوت النفوس في مراتب القبول فإنّ منهم من لا يخلو عن الذكر طرفة عين و منهم من لا يخطر بباله ذكر ربّه إلاّ أن ينبّهه غيره و بينهما مراتب كثيرة و لذلك ردّد في خطابهم فقنع من قوم بذكر كذكر آبائهم كالعوامّ و من قوم أشدّ من ذلك كالخواص.
5-[ثمّ]انّه تعالى قسم الذاكرين إلى قسمين أحدهما من مطلوبه بذكره أغراض دنيويّة من المال و الجاه و الخدم و الحشم و غيرها من الحظوظ «وَ مٰا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاٰقٍ» أي من حظّ و نصيب و مفعول «آتِنٰا» محذوف و إنّما حذفه لكونه فضلة و لاختلاف إرادات الناس فكان ذكر كلّ المرادات يطول و ذكر البعض تخصيص من