206
و الجواب عن هذه الرّوايات أوّلاً بأنّها معارضة بالروايات المتقدّمة الدالّة على جواز إتيان عمرة التمتّع إلى إدراك الناس بمنى، أي ليلة عرفة الّتي يستحب المبيت فيها في منى، بل في بعضها أنّ الإمام (عليه السلام) أتى بأعمال عمرة التمتّع ليلة عرفة 1.
و ثانياً: معارضة لصحيحتي الحلبي و جميل الدالّتين على أنّ العبرة بدرك الوقوف الرّكني لعرفة و هو المسمّى منه.
ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى التخيير بين التمتّع و الإفراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه، و زعم أنّ ذلك مقتضى الجمع بين النصوص.
و الجواب عنه: إن كان مراده من التخيير التخيير في المسألة الأُصوليّة نظراً إلى تعارض الأخبار، فيرد عليه: أنّ التخيير في تعارض الأخبار غير ثابت كما بيّن في علم الأُصول. على أنّ التخيير في المسألة الأُصوليّة وظيفة المجتهد لا العامي، فإنّ المجتهد يتخيّر في الحجيّة و يفتي على طبق ما اختاره و ليس ذلك وظيفة العامي.
و إن كان مراده من التخيير التخيير في الحكم الفرعي، بمعنى أنّ الجمع العرفي بين الرّوايات يقتضي ذلك نظير التخيير بين القصر و الإتمام.
ففيه: أنّه لا يمكن تطبيق ذلك على ما نحن فيه، لأنّ التخيير إنّما يحكم به فيما إذا كان إطلاق كلّ من الدليلين ظاهراً في الوجوب التعييني، فنرفع اليد عن ظهور كلّ منهما في التعيين بقرينة الأمر بالآخر و نتيجة ذلك هي التخيير، و لا يمكن ذلك في المقام، لأنّ الأخبار في المقام متعارضة نفياً و إثباتاً، و معه لا يصح الحمل على التخيير، فإنّ بعض الرّوايات ينفي المتعة إلى يوم عرفة أو إلى ليلة عرفة، و بعضها ينفي التمتّع إلى الموقف الرّكني من عرفة على ما عرفت و معه لا مجال للحمل على التخيير.
فتلخص: أنّ حدّ الضيق المسوّغ للعدول من التمتّع إلى الإفراد أو القِران إنّما هو خوف فوات الرّكن من الوقوف الاختياري لعرفة و هو المسمّى منه، استناداً إلى صحيحة الحلبي و صحيحة جميل المتقدّمتين 2و غيرهما.