89و إذا أخذنا الجانب الأخلاقي الخالص، لم نجد هذه الظواهر الذهنية و نحوها، التي اهتم بها الفقه، إلاَّ مجرد ظواهر لأسباب أعمق منها، مرتكزة في القلب أو النفس. و هي التي تكون منشأ لعدد لا يحصى من الأفكار و التصرفات في الفرد، بل قد تكون هي المسيّرة له و الحاكمة عليه طول عمره.
و من هنا، جاء مفهوم سلامة القلب و مفهوم مرضه، الذين نطق بهما القرآن الكريم. قال اللّٰه سبحانه إِذْ جٰاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 1. و لئن كانت هذه الآية الكريمة خاصَّة بالنبيِّ إبراهيم الخليل-عليه السَّلام-، فإنَّ هناك آية عامة. و هي قوله تعالى إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 2.
و كذلك طهارة القلب و هدايته قال سبحانه ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ 3. و قال وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ 4.
و في مقابل ذلك مرض القلب. قال سبحانه فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَهُمُ اَللّٰهُ مَرَضاً 5. و قال فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ 6. و كذلك الزيغ: قال سبحانه فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ 7.
و النفاق: قال سبحانه فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ 8.
و الريب: قال تعالى وَ اِرْتٰابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ 9. إلى غير ذلك من أمراض القلب و أسوائه.
و للجانب الأخلاقي مستويات متعددة، تتصاعد مع الإنسان بتصاعد معنويات إيمانه. بل ذكرنا في بعض كتاباتنا أنَّ الكمال غير متناهي الدرجات، فكلَّما وصل الفرد إلى درجة استحق بعمله أن يدخل الدرجة الأخرى. فإن عمل له العمل اللائق به، ناله لا محالة. لأنَّ اللّٰه تعالى كريم لا بُخلَ في ساحته، فلا يحجب الأمر المستحق عن مستحقه.