90و يمكننا الآن أن نذكر ثلاث درجات من هذا الجانب:
الدرجة الأولى: ترك الحقد على الغير و محاولة الإيقاع به و إضراره.
و زيادة على ذلك فإنَّ الأفضل أن يريد الخير للآخرين و يعمل على ذلك.
و هذه الدرجة هي أقصى ما وصل أو يمكن أن يصل إليه أهل الدنيا، الغالب عليهم التكالب على المتاع الرخيص، و حب المال و الشهرة و النساء، الأمر الذي يحدو بالفرد أن يؤذي الآخرين بما أوتي من قوة و مكر في سبيل جلب الخير لنفسه و دفع الشر عنه، في حدود فهمه. فإذا بلغ كمال الفرد الدنيوي إلى درجة ترك فيها هذه التصرفات، و لم يضمر الشر للآخرين، بل و عمل أيضاً لخيرهم كان هو الكامل الأفضل في نظرهم. و هذه الدرجة بالرغم من أنها العليا في نظرهم، إلاَّ أنها تعتبر أخلاقياً هي أدنى الدرجات في التكامل الإنساني. إذ بدونها من غير المحتمل أنه ينال شيئاً من الكمال الحقيقي. و سيكون من أولئك الذين لَمْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ 1.
الدرجة الثانية: الصبر و التسليم و نتيجة ذلك عدة أمور: منها: القناعة بما جاءه من الدنيا و الصبر عمَّا لم يحصل عليه. و منها: الصبر على البلاء الوارد عليه كالفقر و المرض و غيرهما، و عدم الاعتراض على القدر الإلهي فيه.
و منها: كتم الغيظ و الحلم على تجاوزات الآخرين، في حدود ما هو الممكن و المناسب. فإنَّه من الصبر و التحمل الضروري من هذه الدرجة.
الدرجة الثالثة: التقوى و الرضا. و نتيجة ذلك عدة أمور منها: أن تصبح الفقرات التي قلناها في الدرجة الثانية واضحة في الذهن و بسيطة في النفس، بل ضرورية بوضوح و طيّبة على الفرد لما يرى الإنسان لها من نتائج الكمال.
و منها: الورع عن الشبهات، حيث يكون الفرد في درجة من التفكير، بحيث لا يقدم على قول أو فعل إلاَّ مع إحرازا صحته في نظره، دون الموارد المشكوكة و المشبوهة، بطبيعة الحال.
و منها: الاهتمام بالعدل، مهما أمكن في علاقة الفرد بأيِّ شيء حوله: