607ثمّ اعلم أن الظاهر من الأخبار أن القائم عليه السلام إذا ظهر يحكم بما يَعْلم في الواقعة لا بالبيِّنة،و أما من تقدَّمه من الأئمة عليهم السلام فقد كانوا يحكمون بالظاهر،و قد كانوا يُظْهِرون ما يعلمون من باطن الأمر بالحِيَل كما كان أمير المؤمنين عليه السلام يفعله في كثير من الموارد،و قال الشيخ المفيد في كتاب المسائل:للإمام عليه السلام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات،و متى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك شهادة من شهد عليه،و حكم فيه بما أعلمه الله تعالى،و قد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور،فيحكم فيها بالظواهر و إن كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى،و يجوز أن يدلَّه الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود و بين الكاذبين،فلا تغيب عنه حقيقة الحال،و الأمور في هذا الباب متعلقة بالألطاف و المصالح التي لا يعلمها على كل حال إلا الله عزَّ و جل،و لأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال:فمنهم من يزعم أن أحكام الأئمة على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال،و منهم من يزعم أن أحكامهم إنما هي على البواطن دون الظواهر التي يجوز فيها الخلاف،و منهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال 1.
و قال في مرآة العقول:و هذا الاختلاف في سِيَرهم عليهم السلام ليس من قبيل النسخ حتى يرد:(لا نسخ بعد نبيِّنا)،بل إما باعتبار التقية في بعضها،أو اختلاف الأوضاع و الأحوال في الأزمان،فإنه يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه و آله و سلم أمر الإمام بالحكم بالواقع إذا لم يصر سبباً لتفرّق الناس و رجوعهم عن الحق،و بالحكم بالظاهر إذا صار سبباً لذلك... 2.
قلت:لما كانت وظيفة الإمام المهدي عليه السلام هي ملء الأرض قسطاً و عدلاً بعد ما مُلئت ظلماً و جوراً،فمن الطبيعي أن يكون حكمه بالواقع،لترجع الحقوق إلى أهلها،و هذا يقتضي أن يحكم بعلمه الذي يلهمه الله به،و هو حكم داود عليه السلام،لا