199
حَقًّا )
1
، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى أنّ سجود أولاد يعقوب ليوسف، أو سجود الملائكة لآدم، أو السجود باتجاه الكعبة عبادة للمسجود له.
بل نجد أنّ الله تعالى قد مدح الخضوع والتذلل بين المؤمنين في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ ) 2، وكذا أمره تعالى للأبناء بخفض الجناح ذلاً وخضوعاً لآبائهم، بقوله تعال ى : (وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) . 3
ونرى أيضاً أنّ كثيراً من الأعمال العبادية تشابه أعمال الوثنيين، ومع ذلك لا تعدّ شركاً، فإذا لاحظت أعمال الحجّ من أوّلها إلى آخرها تجدها تشبه عمل الوثنيين في ظاهرها ومع ذلك لا يعدّ الطواف بالبيت واستلام الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروة أعمالاً شركية، مع أنّها لا تختلف كثيراً بحسب الصورة والظاهر عن ممارسات المشركين وأعمالهم ولهذا لابدّ أن نقف على المقوّم الحقيقي للعبادة.
وعليه فإنّ جوهر وكنه العبادة متقوّم بالأمر الإلهي، والاعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته، وأنّه المسؤول المستقل في الإجابة، فلو خضع الإنسان لأحد أو شيء أو طلب منه شيئاً باعتقاد أنّه إله أو ربّ مستقل في التأثير والإجابة، يكون قد عبده، ومِن ثَمَّ لا يعد طلب الإنسان وسؤاله من إنسان آخر أو مخلوق من المخلوقات عبادة للمسؤول، إلا إذا اعتقد أنّه يضر وينفع، وينقض ويبرم باستقلاله ومن دون استيذان من الله سبحانه وخارجاً عن سلطانه.
فكثير من الأعمال التي يقوم بها أتباع الأنبياء ومحبّوهم من الخضوع والتكريم والاحترام، ليست عبادة لهم وإن بلغت غاية التذلل والخشوع، ومن جملة تلك الأفعال، التوسل والاستغاثة والتبرك والشفاعة، لعدم وجود ملاك العبادة فيها، أي عدم الاعتقاد باستقلالية التأثير في العطاء.