200ومما يشهد على ذلك هو أنّه لو كان مطلق الخضوع والتذلل عبادة، فمعنى ذلك أنّ الله تعالى يأمر بعبادة غيره، كما في أمره بالخضوع والتذلل للوالدين وبين المؤمنين وهذا مما لا يتصوره عاقل.
ثم إنّنا لا نجد أحداً من المتوسلين بالنبي(ص) وأهل بيته(عليهم السلام) يعتقد بأنّهم خالقوه أو مدبرون لأمره بالاستقلال، أو يتظاهر المتوسل بالعبودية لهم، ولم نسمع أنّ أحداً خاطب الرسول(ص) وأهل بيته(عليهم السلام) بقوله: (يا خالقي ويا رازقي ويا معبودي)، بل لا يمكن لأحد مهما كان عليه من الجهل أن يعتقد بالنبي وأهل بيته(عليهم السلام) حسب تلك المعاني، كيف وهو يعتقد أنّهم بشر اصطفاهم الله بعلمه وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه.
والحاصل: أنّ اتخاذ الواسطة لا يعني العبادة والشرك بالله تعالى، لأنّ العبادة خضوع وتذلل مع اعتقاد أنّ للمخضوع له مقام الألوهية والاستقلال في التأثير، لا مجرد الخضوع والتذلل، وقد ورد في القرآن الكريم نماذج كثيرة من الوسائط التي نسبت لها آثار غير طبيعية وخارقة للعادة نذكر منها مايلي:
1- قميص يوسف، قال تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) 1(فَلَمّٰا أَنْ جٰاءَ الْبَشِيرُ أَلْقٰاهُ عَلىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قٰالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ ) . 2
2- التراب الذي قد قبضه السامري من أثر الرسول، قال تعالى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوٰارٌ فَقٰالُوا هٰذٰا إِلٰهُكُمْ وَ إِلٰهُ مُوسىٰ فَنَسِيَ ) . 3 فبعدما رجع موسى من الميقات ورأى الحال الذي عليه قومه، سأل السامري عن كيفية ما أتى به من عمل، فأجاب بقوله: (قٰالَ بَصُرْتُ بِمٰا