198عند التأمل في حقيقة العبادة، نجد أنّ المقوِّم الأساسي لها ليس هو مطلق التذلل والخضوع، أي أنّ المعنى الاصطلاحي للعبادة أخصّ من المعنى اللغوي؛ إذ أنّها على المعنى الاصطلاحي تعنى الخضوع والتذلل مع الاعتقاد بألوهية المعبود المخضوع له، وأنّ له حقّ التصرف والتأثير المباشر في شؤون المخلوق بنحو الاستقلال، بينما على المعنى اللغوي يكفي في تحقق وصدق مفهوم العبودية مجرد تحقق الخضوع والخنوع والتذلل للغير، أو أنّه نهاية الخضوع والتذلل، وفرق بين المعنيين، والشاهد على ما ذكرناه من المعنى الاصطلاحي ما ورد في القرآن الكريم، حيث قال: (يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ ) 1، وقال تعالى: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) 2، وقال تعالى: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ) 3، وقال تعالى: (وَ قٰالَ الْمَسِيحُ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اعْبُدُوا اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) 4،
وغيرها من الآيات التي تبين معنى العبودية و تشير إلى أنها بمعنى الاعتقاد بكون المعبود إلهاً وله مقام الربوبية، فله حقّ التصرف والتدبير في جميع شؤون العابد بنحو الاستقلال، ومن أظهر مصاديق تحقق العبودية هو السجود للمعبود فإنّه يمثل غاية الخضوع والتذلل للمسجود له، ومع ذلك لا نجد أنّ القرآن الكريم يحرم ذلك بشكل مطلق بل هناك شرائط خاصة إذا توفرت في الساجد كان فعله وسجوده محرماً وشركاً بالله تعالى، وكان سجوده عبادة للمسجود له، وهي كما ذكرنا من كون السجود والمسجود له اعتقاداً من العبد مع الاعتقاد بألوهيته وتأثيره المستقل والمباشر وإلّا لكان سجود الملائكة لآدم عبادة له! أو السجود باتجاه الكعبة عبادة لها، أو سجود يعقوب وبنيه ليوسف عبادة له، قال تعالى: (وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قٰالَ يٰا أَبَتِ هٰذٰا تَأْوِيلُ رُءْيٰايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهٰا رَبِّي