107التشريع أو الحكومة هو من حقوق الله، وأمّا غيره لأنّه يفتقد الربوبية والتدبير التكويني فلا يمكن أن يملك صفة المقنن والحاكم المستقل إلّا بمدد الله وإذنه.
الدليل الثاني: بما أنّ التشريع ملازم لنوع من الإلزام على الإنسان والتحديد لاختياره ورغباته ضمن القوانين وكذلك بما أنّ الحكومة ملازمة للتدخل في شؤون الناس والتصرف في أموالهم وأنفسهم والسلطنة عليها، لذلك فإنهما يختصّان بمن له الولاية الحقيقية على الآخرين، وهذه الولاية لا تحصل إلّا إذا كان الوالي مالكاً حقيقياً للمولىّ عليه بحيث تكون له ملكية حقيقية والمالك الحقيقي منحصر بالله؛ لأنّ المالكية الحقيقة للشيء متوقفة على أن يكون وجود الشيء وبقائه بيد المالك، أي الموجد له والذي يتقوّم وجوده وبقاؤه به، فإنّه المالك الحقيقي للكون وما فيه، ومنه الإنسان. وليس لأحد الملكية الحقيقية على الآخرين، خلافاً للملكية الاعتبارية كمالكية الإنسان للكتاب، حيث لا يتقوّم وجود الكتاب بالإنسان، لذلك يمكن أن يكون للشيء الواحد ملكيتان في آن واحد ولكن على نحو الطولية إحداهما الملكية الحقيقية لله والأخرى الملكية الاعتبارية للإنسان كغلام زيد أو العبد المملوك لزيد، ففيه الملكية الحقيقية لله والاعتبارية لزيد.
إذن ينحصر حقّ التشريع والولاية بالله ولا يستحقها غيره إلّا إذا كانت بإذنه ومدده.
الدليل الثالث: أنّ التشريع الصحيح المتكامل مختصّ بمن يلاحظ ويراعي مصالح الناس بأفضل شكل ممكن، وهذا يتوقف في طبيعته على العلم والإحاطة الكاملة بحقائق الإنسان والأشياء، و ما يضره وينفعه حقيقةً ومصالحه ومفاسده الواقعية، وطرق كماله وسعادته الحقيقية في الدنيا والآخرة، وتجرد المشرع من النزعات البشرية وعوامل الوراثة والبيئة والتربية، والأطماع والمخاوف وأمثالها من أمور تؤثر في التشريع، وهذه منحصرة بالله تعالى وليس لغيره من المخلوقات هذه الخصائص إذ لا يتجرد من الجهل والقصور والتأثر بالكثير من العوامل المذكورة؛ فهو له وحده حقّ التشريع الصحيح، ولكن هذا لا يمنع أن يعطي الله