84الله تعالى موكولاً إلى اختيارنا، فيحرّم كلّ واحد منّا ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم أحدنا ما يحله الآخر، وقول الله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلاٰ تَعْتَدُوهٰا وقوله تعالى: وَ لاٰ تَنٰازَعُوا يبطل هذا الوجه الفاسد، ويوجب أنّ ما كان حراماً حينئذٍ فهو حرام إلى يوم القيامة، وما كان واجباً يومئذ فهو واجب إلى يوم القيامة، وما كان حلالاً يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة. وأيضاً فلو كان هذا لكنّا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم، ولا بدّ من ذلك فلسنا حينئذ متّبعين لسنتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور، وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا.
فإذا بطل هذان الوجهان فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة(رضوان الله عليهم) معهم، وفي تتبّعهم سنن النبي(صليالله عليه وسلم) والقول بها .
وأيضاً فإنّ الرسول(صليالله عليه وسلم) إذا أمر باتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إمّا أن يكون(صليالله عليه وسلم) أباح أن يسنوا سنناً غير سننه، فهذا ما لا يقوله مسلم، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتدّ وحل دمه وماله لأنّ الدين كلّه إمّا واجب أو غير واجب، وإمّا حرام وإمّا حلال، لا قسم في الديانة غير هذه الأقسام أصلاً، فمن أباح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أباح أن يحرموا شيئاً كان حلالاً على عهده(صليالله عليه وسلم) إلى أن مات، أو أن يحلّوا شيئاً حرمه رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله(صليالله عليه وسلم)، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله(صليالله عليه وسلم) ولم يسقطها إلى أن مات، وكلّ هذه الوجوه من جوّز منها شيئاً فهو كافر مشرك بإجماع الأمة كلّها بلا خلاف، وبالله تعالى التوفيق، فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد. وإمّا أن يكون أمر باتّباعهم في اقتدائهم بسنته(صليالله عليه وسلم)، فهكذا نقول ليس يحتمل هذا