76فنقول إذا دار الأمر بين موافقة الكتاب أو مخالفة العامّة فلا إشكال في تقديم الأوّل على الثاني كما ورد في صحيح عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه عن الصّادق (ع) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردّوه فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على اخبار العامّة فما وافق اخبارهم فذروه و ما خالف اخبارهم فخذوه 1بل يمكن ان يكون ادّعاء الإجماع على عدم الوجوب ناشيا من موافقته للعامّة و الإجماع قائم على وجوب مخالفة العامّة فيدّعون الإجماع لذلك و غفلتهم عن تقديم موافقة الكتاب على مخالفة العامّة كما لا يخفى على المتأمّل.
ثمّ لا بأس بصرف عنان الكلام الى بعض ما افاده سيّدنا المعاصر في المستمسك في هذا المقام و قال لكنّ الإنصاف أنّ التأمّل في نصوص الاحتمال الثّاني (أي وجوب الحجّ ماشيا) يقتضي البناء على الوجوب حتّى مع المشقّة الشّديدة أما صحيح معاوية 2فلما يظهر من قوله (ع) فيه و لقد كان أكثر من حجّ الى ان قال فشكوا اليه الجهد و العناء و أمّا خبر ابي بصير 3يخرج و يمشي ان لم يكن عنده فالظّاهر منه انّه إذا لم يكن عنده ما يحج به يخرج و يمشي الى ان قال فيه يخدم القوم و يمشي معهم و كلّ ذلك ظاهر في الوجوب مع المشقّة اللاّزمة من فقده ما يحتاج اليه و المهانة اللاّزمة من الخدمة.
و أمّا صحيح ابن مسلم 4فيظهر ذلك من قوله (ع) فيه و لو على حمار أجدع أبتر فإنّ المهانة اللاّزمة من ذلك ظاهرة و نحوه مصحّح الحلبي 5و على هذا يشكل الجمع المذكور و لا بدّ حينئذ ان يكون الجمع بحمل الاخبار الأول على صورة العجز حتّى مع المشقّة و الوقوع في المهانة و هذا الجمع من أبعد البعيد لانّه يلزم منه حمل المطلق على الفرد النّادر و حينئذ تكون النّصوص متعارضة لا تقبل الجمع العرفي و لا بدّ من الرجوع الى المرجّحات ان كانت و الا فالتخيير و لا ريب انّ الترجيح مع النّصوص الأول لموافقتها ما دلّ على نفى العسر و الحرج و مخالفة الثّانية.